يطرح الباحث والكاتب الإيطالي موريتسيو ألفانو في كتابه الجديد «المهاجرون والقمع: المسرحة الاجتماعية-الجنائية للعدو ونظام المستعمرات العقابية غير المباشرة» قراءة نقدية للسياسات والممارسات التي تحيط بالمهاجرين في أوروبا، رابطًا بين تدبير الهجرة وبين أشكال من التقييد والعزل الاجتماعي والسكني والمهني.
صدر الكتاب عن دار «سينسيبيلي ألّي فوليه» في يوليوز 2026، ويقع في 144 صفحة. ويأتي ضمن مسار بحثي للمؤلف يركز منذ سنوات على قضايا الهجرة والتمييز والاستغلال، من خلال مؤلفات سابقة تناولت العنصرية وبناء الصور النمطية حول المهاجرين.
من تنظيم الهجرة إلى صناعة «العدو»
ينطلق ألفانو من أطروحة أساسية مفادها أن التعامل مع المهاجر لم يعد، في نظره، محصورا في تنظيم الدخول والإقامة، وإنما أصبح مرتبطا بمنظومة أوسع من الممارسات القانونية والأمنية والاجتماعية.
ويستخدم المؤلف تعبير «المسرحة الاجتماعية-الجنائية للعدو» لوصف ما يعتبره تحولا في الطريقة التي يُقدم بها المهاجر داخل الخطاب والممارسة العامة: شخصا يحتاج إلى المراقبة والاحتواء والإبعاد بدل النظر إليه باعتباره فردا يتمتع بحقوق اجتماعية كاملة.
ويذهب الكتاب، بحسب تقديم الناشر، إلى أن هذا المسار يتجسد في إجراءات تشمل تشديد الرقابة على الحدود، والاحتجاز الإداري، والإبعاد، والعزل عن المراكز الحضرية، إضافة إلى أوضاع سكنية ومهنية يعتبر المؤلف أنها تجعل فئات من العمال الأجانب أكثر عرضة للاستغلال.
وفي حوار مع «راديو راديكالي» حول الكتاب، يربط ألفانو بين تزايد هشاشة العمل وبين تشديد بعض السياسات التي تقيد حركة المهاجرين وحقوقهم الاجتماعية والنقابية. ويعتبر أن العلاقة بين الأمرين تستحق النظر إليها باعتبارها جزءا من منظومة واحدة، وليس باعتبار كل ظاهرة منفصلة عن الأخرى.
«المستعمرات العقابية غير المباشرة»
يشكل هذا المفهوم أحد المحاور المركزية في الكتاب. ولا يقصد به ألفانو بالضرورة وجود سجون بالمعنى التقليدي، وإنما يستخدم التعبير لوصف فضاءات يعيش فيها مهاجرون، ولا سيما العمال الزراعيون، في ظروف يعتبر أنها تجمع بين العزلة الجغرافية والهشاشة السكنية والاعتماد الاقتصادي.
ويضع المؤلف مخيمات العمال الزراعيين وبعض التجمعات السكنية المعزولة ضمن هذه القراءة، معتبرا أن وضع الأشخاص في فضاءات بعيدة عن المراكز الحضرية، مع محدودية الوصول إلى الخدمات ووسائل التنقل، يمكن أن يؤدي إلى تقليص قدرتهم على ممارسة حقوقهم الاجتماعية.
وقد برز هذا الجانب من أطروحة الكتاب خلال تقديمه في مدينة ريجيو كالابريا في 4 سبتمبر الجاري، ضمن اجتماع «الميثاق الترابي» الذي شاركت فيه جمعيات ونقابات ومنظمات إنسانية وكنيسة فالديزية، وناقش أوضاع العمال الزراعيين وقضايا السكن والعمل في المنطقة.
السكن والعمل باعتبارهما مدخلين لفهم الهجرة
لا يفصل ألفانو في تحليله بين قضية السكن وظروف العمل. فبالنسبة إليه، لا يمكن تقييم وضع العامل المهاجر اعتمادًا على وجود عقد عمل أو تصريح إقامة فقط، وإنما ينبغي النظر أيضًا إلى قدرته الفعلية على الوصول إلى السكن والخدمات والتنقل وممارسة حقوقه الاجتماعية والنقابية.
ومن هنا يأتي اهتمام الكتاب بالعمال الزراعيين الموسميين، خصوصا في المناطق التي يعتمد فيها الاقتصاد الزراعي على اليد العاملة المهاجرة. وقد أعاد النقاش الذي رافق تقديم الكتاب في كالابريا طرح هذه المسألة في ضوء تفكيك “مخيم سان فرديناندو” ونقل عدد من المقيمين فيه إلى مساكن جديدة، وهي خطوة أثارت نقاشا حول ما إذا كان تغيير مكان الإقامة كافيا لمعالجة المشكلات المرتبطة بالسكن والعمل والإدماج.
وبذلك يقدم «المهاجرون والقمع» قراءة نقدية للعلاقة بين سياسات الهجرة وظروف العيش والعمل، من خلال التركيز على ما يعتبره مؤلفه انتقالا من إدارة حركة الأشخاص إلى تنظيم فضاءات وجودهم وإمكانات وصولهم إلى الحقوق. وهي أطروحة تضع قضايا السكن والعمل والحركة في قلب النقاش حول أوضاع المهاجرين في أوروبا.









