في خضم المنافسة العالمية على الكفاءات والمواهب ذات التأهيل العالي، لم تعد الهجرة مجرد ظاهرة اجتماعية فقط، بل كرافعة استراتيجية لتعزيز القدرة التنافسية في اقتصاد عالمي يعتمد بشكل متزايد على المعرفة والتكنولوجيا.
وأمام التراجع الديموغرافي وندرة الموارد البشرية المؤهلة خاصة في قطاعات رئيسية مثل تكنولوجيا المعلومات، والصحة والبناء والنقل، تجد دول الاتحاد الأوروبي نفسها في منافسة مع دول أخرى في لاستقطاب الكفاءات الأجنبية للمحافظة على تنافسيتها الاقتصادية.
في هذا الإطار أصدرت مؤسسة روبير شومان التي تعنى بالأبحاث والدراسات حول الاتحاد الأوروبي، ورقة بحثية بعنوان “الهجرة المؤهلة والتنافسية في الاتحاد الأوروبي بين الاستقطاب والخيارات السياسية” يوم الإثنين 2 فبراير 2026، تطرقت فيها إلى العلاقة بين استقطاب المهاجرين المؤهلين والتنافسية الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي.
وبعد استعراض الإطار القانوني والمبادرات التي اتخذها الاتحاد الأوروبي في مجال استقطاب الكفاءات المؤهلة، اعتبرت الورقة أن المهاجرين ذوي الكفاءات العالية يساهمون في نقل معارف تعزز التقدم التكنولوجي، وتساهم في تحديث أنماط الإنتاج، والقدرة على الصمود الاقتصادي، مبرزة مجموعة من التحديات التي تواجه قدرة الاتحاد الأوروبي على استقطاب الكفاءات الأجنبية.
بناء على دراسة قامت بها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) لجذب المواهب في دول الاتحاد الأوروبي، يظهر أن مؤشر استقطاب الكفاءات في دول الاتحاد الأوروبي يبقى أقل من مؤشر دول أخرى منافسة مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا؛ كما ان هناك تباين داخل دول الاتحاد الأوروبي، حيث تظهر دول الشمال والغرب مثل السويد وهولندا وإيرلندا مستويات عالية من الجاذبية للمهارات الأجنبية، في حين تبقى بعض دول الجنوب والشرق في مراتب أدنى على مؤشر الجذب مثل إيطاليا وإسبانيا وبولونيا واليونان.
وتؤكد الورقة عبر مبيانات توضيحية وجود ترابط أساسي وليس هامشي، بين استقطاب الكفاءات المؤهلة ومستوى التنافسية، حيث أن أن الدول الأكثر قدرة على إدماج المواهب الأجنبية كالدنمارك والسويد وإيرلندا ولوكسمبورغ، تحتل مراكز متقدمة في التصنيف الدولي للتنافسية، الذي يعتمد على مؤشرات المردودية الاقتصادية وفعالية الحكومات والمقاولات وكذا البنية التحتية.
“غالبا ما يتم توظَّف المهاجرين ذوي الكفاءات العالية في قطاعات مرتبطة بالابتكار التكنولوجي، والتحول الرقمي، مما يعزز القدرة التنافسية الشاملة لقطاع المقاولات. كما يتجهون بشكل متزايد نحو ريادة الأعمال، لا سيما في القطاعات المبتكرة، حيث يسهمون في بروز نماذج اقتصادية جديدة وفي تطوير الشركات الناشئة. ويعد هذا التحول عاملا معززا لاندماج الاتحاد الأوروبي في الشبكات العالمية للمعرفة” تضيف الوثيقة.
من جهة أخرى توقفت الورقة التحليلية على ظاهرة مغادرة المواهب الأوروبية في مجالات تقنية كالهندسة والمعلوميات إلى وجهات عالمية في الابتكار مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا، مشيرة، استنادا على معطيات البنك الدولي، إلى أن هجرة الأشخاص ذوي الكفاءات العالية يمكنها ان تتسبب في فقدان الرأسمال البشري والموارد الجبائية في بلدان الأصل، إلا أن تأثيرها يبقى رهينا بقدرة الحكومات على وضع آليات لحركية المعارف، واستثمار مؤهلات الجاليات في الابتكار والاستثمار.
ودعت الورقة التحليلية إلى جعل العنصر البشري رافعة للتطور التكنولوجي، وإعادة التفكير في دور هجرة الكفاءات ضمن استراتيجيات التنمية الاقتصادية للاتحاد الأوروبي، من خلال إدماجها في إطار أشمل للتنافسية، والتحول الرقمي والابتكار.
وأوصت في هذا الإطار بضرورة تطوير السياسة الأوروبية لاستقطاب الكفاءات، بحيث أن الأمر لم يعد يقتصر على تسهيل التنقل فحسب، بل أصبح يتطلب بناء الأسس المؤسساتية والاقتصادية والتكنولوجية لاستقبال الكفاءات، وهو ما يتطلب ملاءمة آليات الهجرة مع احتياجات سوق العمل، وتطوير مؤشرات قياس المساهمة الفعلية للمواهب في أداء الشركات.
وفي نفس الوقت “لا ينبغي النظر إلى استقطاب المهنيين ذوي الكفاءات العالية على أنه مجرد “هجرة للأدمغة” بالنسبة لبلدان الأصل، بل كفرصة لإقامة شراكات مفيدة للطرفين. فهذه الشراكات تساهم في حركية المعارف وتطوير رأس المال البشري” تضيف الورقة قبل أن تخلص إلى ان الخطوة الأولى في هذا الاتجاه تتمثل في عقد اتفاقيات ثنائية بين الاتحاد الأوروبي ودول الأصل، تهدف إلى تطوير المهارات، وتوفير دورات تكوينية، وتهيئة الظروف لعودة طوعية للمهنيين بعد اكتساب التجارب.









