تطرح قضية الهجرة في ألمانيا تناقضات متعددة الأبعاد، بين حاجة الاقتصاد الألماني للمواطنين الأجانب من أجل تلبية الطلبات الملحة للشركات وصناديق التقاعد من أجل المحافظة على النمو، وضرورة ديمغرافية للمجتمع لتعويض شيخوخة السكان التي تعرفها البلاد؛ وبين قوة تأثير التيار اليميني المتشدد في النقاش السياسي، ومراهنة الأحزاب بما فيها الوسطية على ملف الهجرة لكسب نقاط في استطلاعات الرأي الانتخابية، عبر تبني خطاب محافظ مناهض للمهاجرين، قد ينعكس اجتماعيا في شكل سلوكات عنصرية تجاه المواطنين الأجانب.
من تداعيات هذه الظواهر ما كشفت عنه مؤخرا نتائج دراسة للمركز الألماني لأبحاث الاندماج والهجرات، والتي خلصت إلى أن خمس سكان ألمانيا أو ما يعادل 21 في المائة يفكرون في مغادرة البلاد بهدف “البحث عن حياة أفضل”.
وذكر المركز أن نسبة الراغبين في مغادرة ألمانيا تبلغ عند الأشخاص من ذوي الجذور المهاجرة 34 في المائة، وترتفع إلى 37 بالمائة في صفوف أبنائهم، فيما تبلغ عند المواطنين من دون أصول مهاجرة 17 في المائة.
وأوردت الدراسة أن 50 في المائة من العدد الإجمالي للراغبين في الهجرة من ألمانيا يعزون ذلك إلى البحث عن “حياة أفضل”، بينما يؤكد العدد الأكبر من ذوي الأصول المهاجرة أن سبب الرغبة في الهجرة هو التمييز ضدهم.
وأظهرت النتائج أن أعلى نسب التفكير في الهجرة تم تسجيلها بين السكان ذوي الروابط العائلية مع تركيا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث بلغت نسبة هؤلاء 39 في المائة، فيما بلغت نسبة السكان الذين قدموا إلى ألمانيا من دول الاتحاد السوفياتي سابقا، 31 بالمائة، بينما بلغت 28 بالمائة في صفوف القادمين من دول الاتحاد الأوروبي.
وإذا كان المركز قد حذر من النسبة المرتفعة لدى السكان في الهجرة، لكنه استدرك بأن نسبة الأشخاص الذين يتعزمون تنفيذ مشاريع الهجرة بشكل عملي خلال هذه السنة لا تتجاوز 2 بالمائة من المستجوبين.
في هذا السياق، نقلت وسائل إعلام دولية عن الباحث في المركز، فابيو بيست، قوله إن “البيانات تظهر أن الرغبة في مغادرة ألمانيا لا تزال مرتفعة، لا سيما لدى ذوي الأصول المهاجرة وأبنائهم” وذكر أن الشعور بالتمييز يلعب دورا مهما في ذلك، إلى جانب البحث عن ظروف معيشية أفضل؛ مؤكدا على ضرورة اتخاذ إجراءات شاملة لتحسين ظروف الحياة من أجل إبقاء الناس في البلاد على المدى الطويل، لضمان تعايش الجميع في مجتمع يتسم بالتنوع.
وتتعارض نتائج هذه الدراسة مع نتائج دراسة المعهد الاقتصادي الألماني (إي دبليو) المنشورة في الصيف الماضي التي توقعت ارتفاع حاجة الاقتصاد الألماني إلى اليد العاملة المؤهلة في السنوات المقبلة.
وأجرى الدراسة مركز الأبحاث الألماني للاندماج والهجرة “ديزيم” خلال الفترة بين صيف 2024 وصيف 2025، بمشاركة 2933 شخصا، جرى استطلاع آرائهم 5 مرات لكل منهم للحد من التقلبات.








