تحقيق أوروبي مشترك يكشف كيف أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي، تحت غطاء البحث والابتكار، تجارة مربحة على حساب حقوق المهاجرين واللاجئين.
في 4 يناير 2026، كشف تحقيق استقصائي عابر للحدود، شارك فيه خمسة صحفيين من اليونان وألمانيا والمملكة المتحدة وسويسرا، عن تحول مقلق في إدارة الهجرة بأوروبا: من مقاربة إنسانية وقانونية إلى منطق أمني عسكري تغذيه تقنيات الذكاء الاصطناعي وأرباح الصناعات الدفاعية والمؤسسات البحثية.
التحقيق، المدعوم من شبكة IJ4EU ومركز بوليتزر، استند إلى أكثر من عشرين مقابلة، وبحث ميداني، وفحص مئات الوثائق الرسمية وملفات المشتريات، وشمل ثماني دول بالتعاون مع منصات إعلامية من بينها Swissinfo وtaz وInkstick Media.
من طيور اللقلق إلى الرادارات والطائرات المسيرة
على الحدود اليونانية مع مقدونيا الشمالية، كان حرس الحدود يعتمدون سابقا على إشارة بدائية لكنها فعالة: هروب طيور اللقلق من محيط نهر أكسيوس. اليوم، تستبدل هذه “الوسيلة الطبيعية” بشبكات كاميرات، ورادارات، وطائرات بدون طيار تعمل بالذكاء الاصطناعي، في إطار تعميم ما يسمى بـ”نموذج إيفروس” لمراقبة الحدود مع تركيا.
هذا التحول لا يقتصر على اليونان. الاتحاد الأوروبي خصص 35.4 مليون يورو لبرنامج “المراقبة الإلكترونية”، في وقت تقود فيه دول مثل ألمانيا توجها واضحا لتقليص أعداد طالبي اللجوء عبر التكنولوجيا.
الهجرة بين التهديد الأمني وخسارة للديمقراطية
يقول “برام فرانكن”، من مرصد أوروبا للشركات في بروكسل، إن ملف الهجرة “ينزلق تدريجيا خارج الرقابة الديمقراطية والمساءلة”. ويعزو ذلك إلى غموض قوانين البيانات، وبنود السرية، وضعف الرقابة البرلمانية، إضافة إلى ضغط لوبيات قوية تمثل الصناعات الدفاعية وشركات الأمن ومؤسسات البحث.
التحقيق يبين أن الهجرة لم تعد فقط مسألة سياسية أو إنسانية، بل أصبحت سوقا مربحة. وسويسرا، التي غالبا ما تقدم كدولة محايدة، ليست خارج هذا المسار.
معهد أبحاث سويسري في قلب الجدل
في بلدة مارتيني السويسرية، يعمل معهد Idiap للأبحاث، المصنف كمرفق وطني استراتيجي، على تطوير تقنيات ذكاء اصطناعي متقدمة. المعهد، الممول من المال العام والخاص، حصل في خريف 2025 على تمويل من وكالة “فرونتكس” لتطوير قاعدة بيانات بيومترية للتعرف على المشية والوجوه عند الحدود.
المشروع يشمل إنشاء أكثر من 10 آلاف “هوية اصطناعية” ومقارنتها ببيانات حقيقية، باستخدام صور مرئية وغير مرئية مثل الأشعة تحت الحمراء والتصوير الحراري. الهدف المعلن: تحسين التعرف على الأشخاص عبر ملامح الوجه والحركة والمشية.
رغم تأكيد إدارة المعهد أن البيانات ستظل تحت سيطرته ولأغراض بحثية فقط، فإن مصير هذه القواعد والجهات التي ستستفيد منها لاحقا يبقى غامضا. حتى لجنة الأخلاقيات الداخلية، التي يفترض أن تشرف على المشروع، تعمل وفق وثائق غير متاحة للعموم.
تلاشي الحدود بين البحث والعسكرة
التحقيق يكشف أن تقنيات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في الهجرة لا تختلف تقنيا عن تلك المستخدمة عسكريا. في سبتمبر 2025، عرضت شركة الأسلحة الأمريكية Shield AI نظام مراقبة بطائرات مسيرة على مسؤولي “فرونتكس” في وارسو، بعد اختباره على الحدود البلغارية التركية.
خلال اختبار مدته ساعة، رصدت الطائرات المهاجرين وأرسلت تنبيهات فورية للشرطة. ورغم إشادة “فرونتكس” بـ”انخفاض النشاط الإجرامي” وضمان “الحقوق الأساسية”، تواجه بلغاريا اتهامات متكررة بانتهاك حقوق طالبي اللجوء. الشركة المصنعة امتنعت عن الكشف عن تكاليف النظام أو مصير البيانات المجمعة.
قانون الذكاء الاصطناعي.. واستثناءات خطيرة
دخل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي حيز التنفيذ في أغسطس 2024، ويفترض تطبيقه الكامل بحلول 2026، مع تصنيف الاستخدامات حسب مستوى المخاطر. لكن التطبيقات المرتبطة بالأمن القومي والأبحاث تستفيد من استثناءات واسعة.
يؤكد أستاذ القانون الرقمي “نيوفي فافولا” أن اختبار الأنظمة على أشخاص حقيقيين “لا يمكن اعتباره مرحلة بحثية”، داعيا إلى إلغاء استثناءات الأبحاث، خصوصا في مجالات الهجرة واللجوء التي تمس فئات هشة.
في ردود رسمية، تنفي “فرونتكس” تشغيل أنظمة ذكاء اصطناعي عالية المخاطر، بينما تلجأ السلطات إلى مصطلحات فضفاضة مثل “الأتمتة” و”الخوارزميات” لتفادي التصنيف القانوني الصارم.
ما يكشفه هذا الاستقصاء هو منظومة كاملة تتقاطع فيها السياسة، والبحث العلمي، والصناعة العسكرية، تحت شعار الابتكار. والنتيجة: حدود أكثر ذكاء تقنيا، لكنها أقل شفافية، وأبعد عن الرقابة الديمقراطية، وأكثر قسوة على المهاجرين.









