شهدت العاصمة الألمانية، الأربعاء الماضي، عرضا عالميا أول للنسخة المرممة من فيلم “السراب” (1979) للمخرج المغربي أحمد البوعناني، وذلك ضمن قسم “برلين كلاسيك” في إطار فعاليات مهرجان برلين الدولي للفيلم لسنة 2026.
النسخة المرممة قدمت بأكاديمية الفنون ببرلين أمام جمهور من المنتجين وصناع السينما والنقاد، ضمن البرنامج المخصص لعرض كلاسيكيات السينما العالمية في حلة تقنية جديدة. ويعد إدراج “السراب” في هذا القسم إشارة واضحة إلى إعادة تثمين العمل داخل الذاكرة السينمائية الدولية، باعتباره أحد أبرز أفلام المؤلف في تاريخ السينما المغربية.
العودة إلى الواجهة
في تصريح بالمناسبة، عبرت تودة البوعناني عن اعتزازها بعودة الفيلم إلى برلين بعد سنوات من تكريم والدها في دورة 2017، معتبرة أن إدراج “السراب” ضمن “برلين كلاسيك” يشكل اعترافا دوليا بمكانة العمل في تاريخ السينما. من جهتها، وصفت هيلين غيريتسن الفيلم بأنه “عمل كبير”، مشيدة بالاحترافية التقنية التي ميزت عملية الترميم بالمغرب.
الحدث عرف حضور شخصيات مغربية وألمانية فاعلة في مجال الصناعة السينمائية، من بينها مدير المركز السينمائي المغربي، رضا بنجلون، ومديرة الخزانة السينمائية الألمانية هيلين غيريتسن، إلى جانب نرجس النجار، مديرة الخزانة السينمائية المغربية، التي أشرفت على مشروع الترميم، والفنانة تودة البوعناني، ابنة المخرج الراحل ومؤسسة “مؤسسة أرشيف بوعناني”.
حكاية “السراب”
الفيلم الدرامي “السراب” صدر سنة 1979، من كتابة وإخراج الراحل أحمد البوعناني، وبطولة كل من محمد الحبشي، وعبد الله العمراني، وفاطمة الركراكي، ومحمد سعيد عفيفي، ويصنف ضمن قائمة مئة أفضل فيلم عربي، كما يعتبر من أبرز كلاسيكيات السينما المغربية وأعمالها التأسيسية. ويحكي “السراب” قصة رجل بسيط يعثر مصادفة على مبلغ مالي مهم، فيغادر قريته نحو المدينة بحثا عن حياة جديدة، في سرد رمزي يعكس تحولات اجتماعية عميقة عرفها المغرب أواخر السبعينيات. ويعد الفيلم الروائي الطويل الوحيد في مسار أحمد البوعناني، ما يضفي عليه قيمة خاصة داخل أرشيف السينما الوطنية.
أول فيلم مرمم بالكامل في إفريقيا
وأكدت نرجس النجار أن الشريط يحتل مكانة مؤسسة في تاريخ السينما المغربية، مشيرة إلى أن اختياره ضمن هذا القسم يشكل سابقة، باعتباره أول فيلم جرى ترميمه بالكامل في إفريقيا، وتحديدا بالمغرب، يعرض ضمن “برلين كلاسيك”. وأبرزت أن صيانة الذاكرة السينمائية الوطنية عبر الترميم تمثل أولوية استراتيجية، نظرا لما تتطلبه العملية من خبرة تقنية دقيقة واشتغال طويل الأمد.
ويأتي هذا العرض بالتزامن مع مشاركة المغرب كضيف شرف السوق الأوروبية للفيلم، الذراع المهنية والتجارية للمهرجان، ليكون أول بلد إفريقي ينال هذا التميز، في خطوة تعزز حضور المملكة كمنصة للإنتاج المشترك وصناعة الصورة على المستوى الدولي.
يعد أحمد البوعناني (1938-2011) أحد أبرز وجوه سينما المؤلف بالمغرب، إلى جانب كونه شاعرا وروائيا ومفكرا بصريا. هاجر في شبابه إلى فرنسا، حيث تابع دراسة المونتاج السينمائي بمعهد الدراسات السينمائية العليا بباريس (IDHEC)، ما أتاح له تكوينا تقنيا صارما انعكس لاحقا على لغته البصرية المركبة. اشتغل في المركز السينمائي المغربي، وراكم تجربة في الفيلم الوثائقي قبل إنجازه “السراب”، الذي ظل عمله الروائي الطويل الوحيد، لكنه رسخ اسمه ضمن رواد الحداثة السينمائية بالمغرب.









