خلص التقرير الثالث عشر لجمعية “ميثاق روما” المعنون بـ: “أخبار بلا وجه”، إلى أن وسائل الإعلام الإيطالية لا تزال تصور الهجرة كحالة طوارئ أمنية ومشكلة تدفقات هجرة، ونادرا ما تتيح للشخصيات الرئيسية مساحة كافية للتعبير عن آرائها، مع أنها تشهد تحولا إيجابيا في استخدام اللغة.
وحلل تقرير “Notizie senza volto“، وهو أحدث تقرير صادر عن جمعية “Carta di Roma” التي تراقب تطبيق البروتوكول الأخلاقي للتغطية الدقيقة لهذا الموضوع منذ عام 2011، في جزئه الأول: الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي: الأخبار المنشورة في ست صحف وطنية إيطالية وفي جزئه الثاني: التلفزيون، الأخبار المذاعة في برامج الأخبار الرئيسية على القنوات الإيطالية العامة بين 1 يناير و31 أكتوبر 2025. ويسلط التقرير، في حوال 77 صفحة، الضوء على سردية الهجرة كأزمة دائمة، غالبا ما تربط بقصص الجريمة، ونادرا ما تناقش أبعادها الاقتصادية والوظيفية.
الصحف التي شملها الاستطلاع هي: كورييري ديلا سيرا، ولا ريبوبليكا، ولا ستامبا، وأفينير، وإيل فاتو كوتيديانو، وإيل جورنال، والتي خصصت معا 985 قصة في الصفحة الأولى لظاهرة الهجرة، بزيادة قدرها 10٪ مقارنة بعام 2024. وسجلت صحيفة إل جورنال أكبر زيادة (+62٪)، حيث انتقلت من 116 إلى 188 عنوانا رئيسيا، على الرغم من أن أفينير ظلت الصحيفة الأكثر اهتماما بالموضوع مع 255 مقالة.
وبحسب التقرير فقد شهد العام الماضي (2025)، ذروة الاهتمام في شهري يناير وفبراير، بالتزامن مع قضية المصري، الجنرال الليبي الذي تم اعتقاله في إيطاليا بموجب مذكرة من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ثم أطلق سراحه وأعيد إلى بلاده على متن رحلة جوية رسمية، ومرة أخرى في يونيو، مع استفتاء الجنسية، وفي يوليوز وغشت، مع تفعيل الممرات الإنسانية من الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ومن بين الأحداث التي تم الإبلاغ عنها بانتظام، بالإضافة إلى حصار غزة وعواقبه على السكان الذين تعرضوا للقصف المنهجي وحصار المساعدات الإنسانية، كان هناك اتفاق إيطاليا وألبانيا بشأن احتجاز المهاجرين وإسناد إجراءات اللجوء والعودة إلى الوطن إلى جهات خارجية.
الهجرات والتهويل
يقارن التقرير أيضا بيانات السنوات العشر الماضية، مسلطا الضوء على انتشار خطاب مثير للذعر، ربط الهجرة بمرور الوقت بمخاطر الإرهاب والجريمة والسلوك المنحرف، بل وحتى بالخوف الصحي خلال الجائحة. بين عامي 2015 و2025، خفت حدة نبرة العناوين الرئيسية تدريجيا، فبينما كانت نسبة من دقوا ناقوس الخطر 47.6% من إجمالي من دقوا ناقوس الخطر قبل عشر سنوات، انخفضت اليوم إلى 11.2%، مع زيادة طفيفة مقارنة بعام 2024 (2.8%).
تتصدر صحيفة “إل جورنالي” قائمة العناوين المثيرة للذعر، حيث تركز ثلاثة من كل عشرة مقالات على البعد الأمني للهجرة غير النظامية: مراقبة الحدود والتحكم بها، وإضفاء الطابع الخارجي على الحدود، وعمليات طرد المهاجرين، والحوادث الإجرامية التي تشمل مواطنين أجانب.
المعجم الذي تستخدمه الصحافة
على مستوى أكثر الكلمات استخداما في عناوين الأخبار عام 2025، كانت كلمة “مهاجر” (579 مرة)، تليها “ألبانيا” (197 مرة)، ثم “ترامب” (180 مرة)، ثم “الاتحاد الأوروبي” (156 مرة)، ثم “إيطاليا” (178 مرة)، ثم “غزة” (155 مرة)، ثم “ميلوني” (149 مرة). كما شاع استخدام كلمات “قتل” (136 مرة)، و”معاداة السامية” (121 مرة)، و” عنصري” (121 مرة).
من ناحية أخرى، فإن المصطلحات التي تشير إلى وصول المهاجرين عن طريق البحر أقل شيوعا، مثل النزول (78 مرة) والبحر (54)، وهو انخفاض في معدل الحدوث يشير إلى تداخل السرد السياسي والجغرافي السياسي مع سرد التدفقات.
لقد أتاح التحليل المعجمي على مدى العقد الماضي الفرصة لتتبع مسار متطور في الاستراتيجيات الخطابية التي تستخدمها الصحف لتمثيل ظاهرة الهجرة: ما ظهر هو تحول تدريجي في المفردات ضمن إطار ثابت، وهو إطار حالة الطوارئ الدائمة، والذي ينتقل من المستوى المحلي إلى المستوى الدولي، ومن الأخبار إلى السياسة، ولكنه لا ينحرف عن القراءة المتحيزة للهجرة باعتبارها حدثا إشكاليا.
على مر السنين، كانت كلمة “طوارئ” هي الأكثر استخداما، إلى جانب كلمات “جدار” و”إنذار” و”أمن” و”أزمة” و”تهديد” و”غزو”. وقد ظهرت هذه الكلمات السبع مجتمعة 5925 مرة في العناوين الرئيسية المنشورة بين عامي 2013 و2025.
كما سمح هذا التحليل طويل الأجل، لمنجزيه، بمقارنة وتيرة التغطية الإخبارية مع وتيرة وصول المهاجرين: ففي عامي 2019 و2024، ازداد عدد العناوين الرئيسية على الرغم من انخفاض عدد الوافدين، بمتوسط يومي قدره 2.7 عنوان رئيسي.
تعد بعض المصطلحات إشكالية للغاية، وكثيرا ما يساء استخدامها: أشهر مثال على ذلك مصطلح “كلاندستينو” (clandestino) “مهاجر غير شرعي”، الذي يحمل دلالات سلبية ومهينة، ويفتقر إلى أي أساس قانوني. إذ يستخدم هذا المصطلح بشكل متكرر، في التقارير الصحفية، لوصف الأشخاص الذين لا يحملون وثيقة سارية عند المغادرة، ولا تصريح إقامة ساري عند الوصول. وقد ورد هذا المصطلح 1837 مرة في عناوين الصحف الإيطالية بين عامي 2013 و2025، ولكن لحسن الحظ، انخفض استخدامه تدريجيا، ولا يزال يستخدم اليوم في صحيفتين فقط، هما “ليبيرو كوتيديانو” (Libero Quotidiano) و”إل جورنالي” (Il Giornale).
الصراعات، والمعايير، والجريمة: المجالات الدلالية للسرد الإيطالي
تتمحور سردية الهجرة في الصحف الإيطالية حول ثلاث فئات رئيسية: الصراع، والأعراف، والجريمة. وقد أبرز مفهوم الصراع القضية دوليا، في سياق جيوسياسي وإنساني، ووضع الهجرة في سياقها كنتيجة مباشرة للحرب. أما الأعراف، فتؤطر البعد السياسي والمؤسسي للقضية، وتتمحور حول الإجراءات الحكومية والقوانين والاتفاقيات بين الدول. وتشمل الجريمة الخطاب السردي الذي يركز على أخبار الجريمة والأمن المحلي، بمفردات تهيمن عليها مصطلحات شديدة التأثير عاطفيا مثل المجزرة والعنف والاغتصاب والقتل.
الهجرة تتصدر نشرات الأخبار الرئيسية
ركز تحليل البرامج الإخبارية على التقارير التي تتناول موضوع الهجرة وتلك التي تتناول قضايا العنصرية والتعصب، والتي تم بثها خلال وقت الذروة (بين الساعة 6:30 مساء و 8:30 مساء) على الشبكات الوطنية العامة السبع.
تم تحليل الأخبار المصنفة ضمن فئات رئيسية، وتقييمها بناء على الشخصيات الرئيسية، لفهم الأصوات التي تدعى للتحدث وتلك التي تستبعد من السرد. خلال الفترة من يناير إلى أكتوبر 2024، بلغ عدد التقارير ذات الصلة 1809 تقريرا، وفي نفس الفترة من عام 2025، بلغ 2239 تقريرا (بزيادة قدرها 24%). وتركزت السياقات السردية السائدة على إدارة تدفقات المهاجرين، مع إشارات واضحة إلى الاتفاقيات السياسية والدبلوماسية والثنائية: حيث ينصب التركيز على القرارات الحكومية، بالإضافة إلى الأخبار التي تتناول مواطنين أجانب لهم تاريخ من الهجرة. ومع ذلك، يبقى البعد الاقتصادي لهذه الظاهرة هامشيا، مع تمثيل ضئيل لعالم العمل والاستغلال.
تعد قناة Tg4 الأكثر اهتماما بقضايا الهجرة، إذ تخصص لها 14% من برامجها، أي أكثر من ضعف حصة البرامج الإخبارية الأخرى. وقد شهدت هذه القناة زيادة قدرها 125% منذ عام 2024، بينما سجلت قناتا Tg5 وStudio Aperto زيادات أقل، بلغت 36% و21% على التوالي؛ أما Tg1 فقد استقرت عند 4%، وTg2 عند 5%، وTg3 عند 6%.
شهد شهر يناير، الذي أعلن فيه ترامب إغلاق الحدود وترحيل المهاجرين إلى المكسيك، أعلى عدد من البلاغات المتعلقة بالهجرة، حيث بلغ 438 بلاغا، أي ما يعادل 20% من إجمالي البلاغات. وفي الوقت نفسه، برزت قضية المصري، مما أثار جدلا سياسيا حادا غطته وسائل الإعلام الوطنية والصحافة بشكل منتظم.
تصنيف الأخبار
من خلاصات التقرير أن الموضوع الرئيسي الأكثر تكرارا في الأخبار، سواء في عام 2024 أو 2025، كان هو تدفقات الهجرة، يليه الاستقبال والجريمة والأمن.
تطورت سردية تدفقات الهجرة حول ركيزتين أساسيتين: سجل الوصول والعبور، والنقاش السياسي والمؤسسي حول سياسات الإدارة. وفيما يتعلق بموضوع الوصول، ظلت “لامبيدوزا” مركزا رئيسيا للسردية، لكن غالبا ما اختزلت الهجرة إلى الممر البحري فقط، متجاهلة المسارات الأخرى. أما في النقاش المؤسسي، فقد شكلت الاتفاقيات الإيطالية الألبانية 7% من إجمالي المعلومات حول هذا الموضوع.
ركزت التغطية الإخبارية المحلية على ظاهرة العصابات الأجنبية الشابة، وهي ظاهرة ترتبط ارتباطا وثيقا بنطاقها الجغرافي. وكانت المدن الكبرى مركز هذه الظاهرة، وعلى رأسها ميلانو.
في جميع أنواع الأخبار المتعلقة بالهجرة، لا يزال يغيب التواجد المباشر لأصحاب المصلحة، القادرين على التعبير عن آرائهم أو سرد قصصهم. فقط 0.4% من التقارير تتضمن مهاجرين يتحدثون عن أنفسهم، وغالبا ما يتم اختزالهم إلى مجرد أرقام وبيانات وإحصاءات. ورغم هذا القصور التام لدى جميع القنوات في هذا الصدد، تبقى قناة راي الأكثر اهتماما من غيرها في إتاحة الفرصة لأصحاب المصلحة للتعبير عن أنفسهم، بنسبة 9.7% من التغطية الإخبارية؛ بينما تصل نسبة قناة تي جي 3 تحديدا إلى 17.4%. أما برامج ميدياست الإخبارية فتتوقف عند 5.3%، ويتخلف برنامج لا 7 الإخباري (La7) بنسبة 1%.








