كشفت دراسة اقتصادية حديثة، أعدها الخبير جوزيبي روسو، أن السياسة المثلى للهجرة في القارة الأوروبية لا تعتمد على ضبط أعداد الوافدين، بل على جودة اندماجهم الإنتاجي في النسيج الاقتصادي. وأوضحت الدراسة، التي استندت إلى نموذج هيكلي مُعاير على اقتصادات ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا، أن إصلاحات مؤسسية محدودة في إيطاليا قد تحول الهجرة من عبء مالي إلى استثمار استراتيجي، قادر على توليد إيرادات ضريبية إضافية تتراوح بين 5 و12 مليار يورو سنويا.
الهجرة متغير اقتصادي داخلي
وتأتي هذه النتائج في ظل تحول جذري في المشهد الديموغرافي الأوروبي، حيث تجاوز عدد المقيمين الأجانب في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 160 مليون نسمة، بينما لا يزال النقاش السياسي حبيس ثنائية “الحدود المفتوحة” مقابل “التحصين”. وتؤكد الدراسة أن الهجرة متغير اقتصادي داخلي يتشكل بفعل فوارق الإنتاجية والهياكل المؤسسية، وليس تدفقا خارجيا يمكن التحكم فيه بمراسيم إدارية بحتة.
وترسم الأرقام صورة قاتمة للمستقبل الديموغرافي الإيطالي، حيث سجل معدل الخصوبة أدنى مستوياته التاريخية عند 1.18 طفل لكل امرأة، مع توقعات بانكماش السكان بنسبة 22% بحلول عام 2080. وفي ظل هذا السيناريو، تتحول الهجرة من خيار ثقافي إلى متطلب هيكلي لا محيد عنه لاستدامة أنظمة التقاعد وسد فجوة القوى العاملة المتسعة.
“الضريبة المثلى” للهجرة
واعتمد النموذج الرياضي في تحليله على ثلاثة محاور رئيسية لتحديد “الضريبة المثلى” للهجرة: قوة السوق الاحتكارية للدولة المضيفة في التفاوض، وتكاليف الازدحام على الخدمات العامة، وأثر المساهمة الضريبية الصافية للمهاجرين. وأظهرت المعايرة أن ألمانيا، بفضل تكامل سوق العمل، تحقق فائدة من دعم الهجرة بنسبة 3%، في حين تفرض إيطاليا ضريبة مثلى بنسبة 2.9% في ظل الظروف الراهنة، ليس نتيجة لزيادة الأعداد، بل بسبب ضعف العوائد المالية الناتجة عن تدني الاندماج الإنتاجي.
غير أن الدراسة تطرح سيناريو إصلاحيا واعدا لإيطاليا، يفترض رفع المساهمة الضريبية للمهاجرين بنسبة 10% وخفض تكاليف الاندماج عبر سياسات مخصصة. وفي هذه الحالة، تنعكس المعادلة لتصبح السياسة المثلى داعمة للهجرة بنسبة 1.3%. وتشير محاكاة الاقتصاد الكلي، استناداً إلى ناتج محلي إجمالي قدره 2 تريليون يورو، إلى أن هذا التحول الهيكلي قد يدر إيرادات ضريبية إضافية تصل إلى 12 مليار يورو سنوياً، مما يسهم في تحسين مؤشرات الدين العام بشكل ملحوظ.
ما الذي يعيق الاستفادة من الطاقات المهاجرة؟
ورغم الحاجة الديموغرافية الملحة، تواجه إيطاليا تحديات مؤسسية تعيق الاستفادة من الطاقات المهاجرة، أبرزها بطء الاعتراف بالمؤهلات المهنية، وهيمنة القطاع غير الرسمي، والتفاوت الجغرافي في توزيع فرص العمل. ويقترح النموذج حزمة إصلاحات عملية تشمل تسريع معادلة الشهادات، وربط العرض بالطلب عبر سياسات عمل فاعلة، وتقنين العمل غير المعلن، وتعميم التدريب اللغوي، وآليات لإعادة التوزيع الجغرافي على غرار النماذج الألمانية والكندية.
وفي الختام، يؤكد التحليل أن الخيار الاستراتيجي الحقيقي لا يكمن بين قبول الهجرة أو رفضها، بل بين إدارة غير منتجة تُغذي التوترات الاجتماعية، وإدارة مدمجة تحقق الاستدامة المالية. وفي بلد يتقلص فيه عدد المواليد وتتسارع فيه هجرة الكفاءات الشابة، يصبح تحسين قدرة الاقتصاد على استيعاب المهاجرين إنتاجيا شرطا وجوديا لاستقرار منظومة التقاعد والمالية العامة، وتحويل التحدي الديموغرافي إلى فرصة للنمو الاقتصادي.







