تدخل كندا عام 2026 بسياسة هجرة مختلفة في الجوهر والاتجاه، عنوانها الأساسي: تقليص الأعداد، رفع الجودة، وإعطاء الأفضلية لمن هم داخل البلاد. هذه التحولات كشفت عنها وزيرة الهجرة واللاجئين والمواطنة، “لينا متلِج دياب”، في أول تقرير سنوي لها أمام البرلمان، واضعة معالم مرحلة جديدة تسعى فيها أوتاوا إلى استعادة السيطرة على نظام الهجرة وربطه بشكل أوثق بقدرة المجتمع وسوق العمل.
أهداف استراتيجية: من الكم إلى الاستدامة
أكدت الحكومة الكندية التزامها بالإبقاء على الأهداف التي حددت سابقا، وفي مقدمتها إعادة الهجرة إلى مستويات “مستدامة” تخدم الاقتصاد على المدى الطويل، وتنسجم مع الطاقة الاستيعابية للمجتمعات المحلية. وتركز السياسة الجديدة على الهجرة الاقتصادية، التي ينتظر أن تمثل نحو 65 في المائة من إجمالي المقيمين الدائمين الجدد بحلول 2027، في مقابل تراجع واضح في فئات أخرى كانت تشكل ضغطا على البنية التحتية والخدمات الاجتماعية. وفق ما ذكره موقع ctvnews الكندي.
كما برز توجه واضح نحو إعطاء الأولوية لتحويل وضعية الطلبة والعمال المؤقتين الموجودين بالفعل في كندا إلى مقيمين دائمين، بدل فتح الباب أمام أعداد كبيرة من الوافدين الجدد من الخارج.
دعم الفرنكوفونية خارج كيبيك
من بين أبرز محاور السياسة الجديدة، تعزيز حضور المجتمعات الفرنكوفونية ذات الأقليات خارج إقليم كيبيك. فقد التزمت الحكومة برفع نسبة القبول من الناطقين بالفرنسية إلى 12 في المائة خارج كيبيك بحلول عام 2029، وهو ما انعكس مباشرة على أرقام الهجرة الاقتصادية والعائلية المتوقعة لهذا العام. حيث تشير معطيات وزارة الهجرة وهيئة الإحصاء الكندية إلى أن عدد العمال الأجانب الموجودين حاليا في كندا يسير وفق أهداف التخفيض المعلنة لسنة 2026.
وإذا استمرت الوتيرة الحالية، يتوقع ألا يتجاوز عدد العمال الأجانب المقبولين بحلول نهاية هذا العام نحو 202,923 عاملا، مقارنة بسقف كان محددا لسنة 2025 يبلغ 367,750، ما يعكس تراجعا ملموسا في الأعداد.
القطيعة مع العمالة منخفضة الأجر
في انسجام مع توجهات دولية مشابهة، تتجه كندا إلى تقليص الاعتماد على العمالة منخفضة الأجور، مقابل استقطاب الكفاءات العالية والاختصاصات الدقيقة.
وفي هذا السياق، أعلنت أوتاوا نيتها خفض تصاريح العمل المرتبطة بتقييم أثر سوق العمل (LMIA)، وتعويضها بمسارات معفاة من هذا التقييم ضمن برنامج التنقل الدولي، بما يمنح مرونة أكبر في استقطاب المهارات النوعية.
وأكدت وزارة الهجرة أن تراجع أعداد الطلبة والعمال الجدد يعد مؤشرا مباشرا على “نجاعة الإجراءات المتخذة”، مع تشديد واضح على محاربة التحايل وسد الثغرات التي استغلت سابقا من بعض الوسطاء وأرباب العمل.
اللجوء: بين البعد الإنساني وحماية النظام
جددت كندا التزامها بقيمها الإنسانية واستقبال الأشخاص ذوي المطالب المشروعة بالحماية واللجوء، لكنها شددت في المقابل على ضرورة حماية نزاهة نظام اللجوء.
وتهدف الإجراءات الجديدة إلى ردع الطلبات التي تستخدم كوسيلة للالتفاف على قواعد الهجرة النظامية أو لتمديد الإقامة المؤقتة دون مبررات قانونية قوية.
أحد أبرز آثار السياسة الجديدة يتمثل في تراجع حظوظ المتقدمين من خارج كندا عبر نظام “الدخول السريع” (Express Entry). فالأولوية باتت تمنح للمرشحين الذين يمتلكون خبرة عمل كندية أو تلقوا تعليمهم داخل البلاد، ما يضع أصحاب الملفات الخارجية في وضع تنافسي أصعب.
وخلال عام 2025، أصدرت كندا أكثر من 19 ألف دعوة تقديم ضمن سحوبات قائمة على فئات مهنية محددة، في مؤشر على نهاية مرحلة السحوبات العامة الواسعة.
رغم استمرار نظام الدخول السريع كآلية مركزية للهجرة الاقتصادية، يتوقع خبراء أن تعرف السحوبات خلال 2026 وتيرة أعلى لكن بأعداد أقل في كل جولة.
ما يجري في كندا هو إعادة هندسة شاملة لفلسفة الهجرة: عدد أقل، مهارات أعلى، وأولوية مطلقة لمن استثمر بالفعل في الدراسة والعمل داخل البلاد، فالهجرة لم تعد بابا مفتوحا للجميع، بل مسارا انتقائيا محسوبا بدقة.








