عبدالخالق حسيني, كاتب وأستاذ, فرنسا.
لماذا يظل المغربي قريبا من المغرب، حتى عندما يبتعد عنه آلاف الكيلومترات؟ وكيف تغيرت هذه العلاقة مع مرور الأجيال؟ وهل ما زال حلم العودة كما كان لدى الجيل الأول، أم أن مغاربة اليوم يعيشون علاقتهم بالوطن بطريقة مختلفة؟
هذه بعض الأسئلة التي حملتها حلقة جديدة من بودكاست “لقاء مع سهيلة الريكي”، التي استضافت الكاتب والمحلل عبد الخالق حسيني، بمناسبة صدور كتابه الجديد Figures de l’immigration.
من سؤال بسيط إلى رحلة في ذاكرة الهجرة
انطلق حسيني في كتابه من سؤال يبدو للوهلة الأولى بسيطا: ما الذي يجعل مغربيا من الجيل الأول من المهاجرين، أو من أحفادهم المولودين في فرنسا أو كندا أو اليابان أو الولايات المتحدة، يحافظ على علاقة قوية بالمغرب؟
لم تأت الإجابة من الأرقام وحدها، ولا من التحويلات المالية أو الإحصائيات المتعلقة بالهجرة. جاءت من الناس أنفسهم، ومن قصصهم وتجاربهم وذاكرتهم.
على مدى سنوات، ومن خلال عمله الجمعوي والتربوي ولقاءاته مع مغاربة العالم، يقول حسيني إنه اكتشف خيطا مشتركا يجمع أجيالاً مختلفة: المغرب حاضر دائما، وإن اختلفت طريقة حضوره من شخص إلى آخر.
ثلاثة أجيال.. وثلاث طرق للنظر إلى الوطن
الهجرة المغربية لم تعد قصة جيل واحد. الجيل الأول غادر المغرب في الستينيات، في الغالب كيد عاملة، حاملا هدفا واضحا: العمل، إرسال المال إلى الأسرة، ثم العودة يوما ما.
لكن أبناء هؤلاء عاشوا تجربة مختلفة. درسوا في أوروبا، وتعلموا لغتها، ودخلوا مؤسساتها، وأصبحوا جزءا من مجتمعاتها. أما الجيل الثالث، فقد ولد في الغالب خارج المغرب، وأصبح فرنسيا أو ألمانيا أو بلجيكيا، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انقطاعه عن جذوره المغربية.
بالنسبة إلى حسيني، هؤلاء مغاربة يعيشون في العالم، وعلاقتهم بالمغرب ليست نسخة واحدة تتكرر من جيل إلى آخر، بل علاقة تتغير مع الزمن وتعيد اكتشاف نفسها.
المرأة والكفاءات.. وجوه أخرى للهجرة
من بين القضايا التي يضيء عليها الكتاب حضور المرأة المغربية في مسار الهجرة. ويستحضر حسيني نماذج لنساء واجهن ظروفاً صعبة، وربين أبناءهن، وعملن، وحرصن في الوقت نفسه على تعليمهم وصون صلتهم بالمغرب.
كما يتوقف عند جيل جديد من الكفاءات المغربية التي لم تعد ترى الهجرة نهاية للعلاقة بالوطن. الطبيب والباحث والمهندس والفنان والجامعي يمكنه أن يعيش في الخارج ويعمل فيه، وفي الوقت نفسه يستثمر خبرته وشبكاته في المغرب.
وهنا تنتقل الفكرة من العودة إلى التنقل بين الضفتين، وتصير المسافة جسرا بين عالمين.
من التحويلات إلى المعرفة والخبرة
في حديثه، يطرح حسيني أيضاً سؤالاً حول الطريقة التي ينظر بها المغرب إلى كفاءاته في الخارج. فمغاربة العالم ليسوا فقط أرقاماً في تحويلات مالية، ولا مجرد مصدر للاستثمار.
هناك معرفة وخبرة وعلاقات دولية وتجارب مهنية يمكن أن تشكل قيمة مضافة حقيقية، إذا تم إشراك هذه الكفاءات فعليا، والاستفادة من خبراتها بطريقة تقوم على الثقة والتواصل والشفافية.
المغرب لا يتوقف عند الحدود
بين قصص الأمهات والجيل الأول، وتجارب أبناء المهاجرين، وحضور الكفاءات المغربية في العالم، تبدو الهجرة في حديث عبد الخالق حسيني أقل شبها برحلة ذهاب وإياب، وأكثر قربا من خيط يصل بلدين وأجيالا متعددة.
فالمغرب، كما يظهر في شهادات وتجارب من يستضيفهم حسيني في كتابه، لا يبقى خلف الحدود. إنه يسافر مع أبنائه، في ذاكرتهم ولغتهم ونجاحاتهم واختياراتهم، وفي الطريقة التي يحافظون بها على صلة ببلد غادروه أو ولدوا بعيدا عنه.
وهذه هي الحكاية التي يفتح عبد الخالق حسيني أبوابها في كتابه، ويواصل الحديث عنها في حلقة جديدة من بودكاست “لقاء مع سهيلة الريكي”.
لمشاهدة الحلقات السابقة من البودكاست اضغط هنا.









