ناقش لقاء نظمه مجلس الجالية المغربية بالخارج يوم الأحد 10 ماي 2026 في إطار مشاركته في المعرض الدولي للنشر والكتاب، موضوع التمييز في المدرسة، في علاقته مع أبناء المهاجرين في فرنسا وإسبانيا، بمشاركة كل من عالم الاجتماع شكري بنعياد، والفاعل المدني في فرنسا احمد السراج، والنقابي المغربي المقيم بجزر البليار في إسبانيا مصطفى بولحراق.
وفي تأطيره لهذه الندوة، اعتبر مسيرها الأستاذ في المعهد الكاثوليكي بباريس، رشيد العلوي، أن المدرسة التي مفروض أنها فضاء تعليمي يمنح الفرص لجميع التلاميذ، تسجل فيها مجموعة من العوامل تؤثر على مسارات ونجاحات التلاميذ، من بينها انتماؤهم إلى الهجرة، وهو ما يطرح تساؤلات مستجدة حول التمييز وحول المساواة داخل المدرسة العمومية.

المدرسة وإعادة إنتاج اللامساواة
وفي مداخلته خلال هذه الندوة توقف عالم اجتماع المتخصص في سوسيولوجيا التربية، شكري بنعياد، حول ما أسماه التمييز بمفهومه القانوني تجاه التلاميذ المنحدرين من الهجرة في فرنسا؛ على اعتبار أن المدرسة تعيد إنتاج اللامساواة الموجودة داخل المجتمع، وهو ما عمل على تحليله في مؤلفه الأخير المعنون ب”هل تمارس المدرسة التمييز؟” من خلال وصف الجو العام للتلاميذ المنحدرين من الهجرة المغاربية في مدارس فرنسا، والتي تنظر إليهم كفئة خارج المجتمع، مما يجعلهم في صراع مستمر من أجل اكتساب شرعية الحضور كفرنسيين كاملي الحقوق.
هذه النظرة السلبية داخل المجتمع، تنتقل إلى المدرسة بحيث يتم الوقوف على موجة من المظاهر التمييزية، من بينها عدم التعامل مع أبناء المهاجرين كأفراد مستقلين ذاتيا وكتلاميذ في نظام تعليمي وإنما كمجموعة واحدة مشكلة على أساس عرقي أو على أساس الانتماء إلى دول الأصل، وهو ما يجعلهم في عزلة عن المجتمع الذي ينتمون إليه.
وفي معرض تفاعله مع نقطة أخرى متعلقة بأشكال التمييز في المدارس، أكد السوسيولوجي بنعياد أن التمييز في المدرسة وإن لم يكن بشكل إرادي في النظام التعليمي، لكن سياق الهجرة في فرنسا بعد فترة الاستعمار، جعلت المدارس الفرنسية تستقبل أبناء المهاجرين على أساس العودة إلى بلدانهم، وتم بالتالي جمعهم في مدارس تجعلهم منفصلين عن باقي التلاميذ الفرنسيين هو في تقدير الباحث تمييز إداري.
ويضيف بنعياد بأن هذا “التمييز الإداري” يتحول إلى “ميكانيزم للفصل” منطلقا من تجربة اشتغاله في مدينة مونبولييه الفرنسية، حيث يتمركز التلاميذ المنحدرين من الهجرة في مدارس معينة مما يساهم في الإنتاج المؤسساتي للتمييز حتى داخل الأقسام، ويجعل الأساتذة أمام تمركز كبير للتلاميذ الأجانب في غياب تلقي أي تكوين في إدارة التنوع لدى هؤلاء الأستاذة.
في إطار استعراضه لبعض الصعوبات الميدانية المتعلقة بتنزيل سياسات الاندماج الاجتماعي في المدارس، خاصة في علاقة الأسر المهاجرة بالأطر التربوية والإدارية، خلص الباحث السوسيولوجي إلى أنه على خلاف بعض الدول الغربية التي تتوفر مدارسها على مكاتب يمكنها استقبال شكايات حول التمييز داخل المدارس، فإن التلاميذ في فرنسا ليس لهم فعليا أي حق للدفاع عن أنفسهم أمام حالات التمييز التي قد يتعرضون إليها.


الوساطة من أجل مناهضة التمييز في المدارس
من جهته تطرق رئيس جمعية “بولفار دي بوت” بمدينة بوردو، احمد السراج، إلى تجربته الميدانية في مجال التربية على المواطنة، ومناهضة التمييز في الوسط المدرسي لفائدة الشباب ومكونات الأسرة التربوية.
وشدد المتدخل على ضرورة دراسة السياق التاريخي لتطور المدرسة في فرنسا في علاقته مع التاريخ السياسي ومع الهجرة ومع الاستعمار، بحكم أن المدرسة تنخرط في كل هذه التحولات التاريخية، مبرزا أن هذا المسار التاريخي جعل المدرسة تعيد تبني مختلف مظاهر الحياة اليومية داخل المجتمع ومن بينها مظاهر التمييز ضد أبناء المهاجرين.
وبدوره يتفق السراج على أن التمييز في المدارس ليس إراديا أو ممنهجا، تجاه الأطفال المنحدرين من الهجرة ولكن طرق اشتغال النظام التعليمي، تخلق بعض وضعيات التمييز.

كما توقف المتدخل على بعض المبادرات التي يقوم بها على الصعيد المحلي لتحسيس الفاعلين في النظام التعليمي سواء كانوا معلمين أو أطر أو مدراء للمؤسسات التعليمية حول قضايا المساواة في التعامل مع التنوع في مدينة بوردو الفرنسية، حيث وضع برنامجا تكوينيا مرجعيا خارج المدرسة لمواكبة ضحايا التمييز، “الهدف منه هو إخراج التمييز خارج أسوار المدرسة…وهو ما مكن المشاركين في البرنامج من اكتشاف بعض أشكال وصور التمييز الغير مرئية سواء في التوجيه أو في عملية وضع النقاط أو حتى في الطريقة التي يستقبلون بها التلاميذ” يضيف.
كما يتفق احمد السراج أيضا على مسألة غياب سلطة لدى التلاميذ في المدارس الفرنسية لتوثيق او أدانة تعرضهم للتمييز داخل المدرسة، شدد في هذا الإطار على أنه من الضروري فتح مجالات تعطي شرعية الحديث عن هذه الإشكاليات، وهو ما تساهم فيه مبادرات الوساطة القائمة على جمع الأساتذة والأسر ومدراء المدارس لمناقشة المواضيع المرتبطة بالتمييز.


الهدر المدرسي في صفوف مغاربة البليار
ومن أجل مناقشة موضوع التمييز تجاه أبناء المهاجرين، في الحالة الإسبانية، ركز الفاعل الجمعوي المقيم في جزر الباليار، مصطفى بولحراق، في مداخلته على دراسة حول الهدر ومغادرة المدرسة بالنسبة لأبناء الجالية المغربية المقيمة في هذه الجهة من إسبانيا، التي ساهم في إعدادها ونشرها مؤخرا بشراكة مع مجلس الجالية المغربية بالخارج.
واعتبر رئيس جمعية المغرب في جزر البليار في هذا الصدد، أن الدراسة جاءت تكميلا لدراسة صدرت سنة 2015 حول الاحتياجات والإشكاليات الاجتماعية للجالية المغربية في هذه الجهة الإسبانية، والتي توقفت بشكل خاص على إشكالية الهدر المدرسي بالنسبة للتلاميذ المغاربة، والفرق الكبير في نسب الأطفال في سن التمدرس الذين يدخلون إلى المدرسة وبين من يكملون مسارهم التعليمي بعد الفترة الدراسية الإجبارية.


ومن بين النتائج المثيرة للاهتمام في هاته الدراسة، وفق المتدخل، هي أن نسبة التلاميذ المغاربة الذين يكملون دراستهم بعد التعليم الإلزامي لا تتجاوز 7.48%، في هذا الإقليم الذي يعتبر ثاني إقليم في إسبانيا من حيث الهدر المدرسي، أما من يكمل المسار الجامعي من التلاميذ المنحدرين من الهجرة المغربية فلا يتعدى بحسب الدراسة 0.48 بالمائة.
ويرى بولحراق أن هذه النتائج أفرزتها مجموعة من الأسباب من بينها التمييز، وتوجيه الطلبة المغاربة في اتجاه مهن معينة وليس في تخصصات جامعية، بالإضافة إلى وجود بعض مظاهر العنصرية فيما يتعلق باللغة والثقافة، اللذان لا يساعدان على اندماج الطلبة المغاربة والاستفادة من نفس الفرص؛ مؤكدا من جهة أخرى، على أن تصاعد خطاب اليميني المتشدد يؤثر على الجو العام للتعليم ويخلق نوعا من الإحباط لدى التلاميذ ويدفعهم لمغادرة المدرسة بالإضافة الى المستوى الاقتصادي الذي لا يساعد على إكمال الدراسة…






