في خطوة استراتيجية تهدف إلى سد الثغرات الأمنية على طول القنال الإنجليزي، وقعت بلجيكا والمملكة المتحدة، يوم أمس الأربعاء 9 شتنبر 2026، اتفاقية لتعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي في مواجهة شبكات تهريب المهاجرين. ويؤكد هذا الاتفاق، الذي وقعه وزير الداخلية البلجيكي “برنارد كوينتان” ووزيرة الداخلية البريطانية “شابانا محمود” في لندن، تجاوز الإطار الثنائي التقليدي بين لندن وباريس، في إطار رؤية بريطانية أوسع تستهدف تفكيك الشبكات الإجرامية المنظمة قبل وصولها إلى السواحل الفرنسية، وذلك في تطور يعكس إعادة تشكيل خريطة التعاون الأمني الأوروبي ما بعد “بريكست”.
ويأتي هذا التطور الأخير، وفق مواقع إخبارية أوربية، بعد أقل من أسبوع من اجتماع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام في مقر رئاسة الوزراء البريطانية (داونينج ستريت).
تكامل استخباراتي وتوسيع نطاق المكافحة
ينص الاتفاق الجديد على دمج عناصر من الشرطة البلجيكية ضمن خلية الاستخبارات المشتركة بين فرنسا والمملكة المتحدة والمتمركزة بالفعل في شمال فرنسا. وتكمن أهمية هذه الخطوة في كونها تعكس إدراكا بريطانيا متزايدا بأن نشاط المهربين لا يتوقف عند الحدود الوطنية، بل يمتد عبر شبكات لوجستية أوروبية معقدة. ومن شأن هذا التعاون أن يزيل العقبات البيروقراطية السابقة، حيث كانت بعض عمليات تبادل المعلومات المحددة تتطلب سابقا تفويضا قضائيا، مما كان يبطئ وتيرة الاستجابة الميدانية. كما أن هذا الإطار التعاوني لا يقتصر على مكافحة الهجرة غير النظامية فحسب، بل يمتد ليشمل التصدي لأشكال أخرى من الجريمة المنظمة العابرة للحدود، على رأسها تهريب المخدرات والأسلحة، في ظل نجاح العمليات المشتركة السابقة التي أسفرت عن اعتقال أكثر من 50 شخصا مرتبطا بشبكات تهريب البشر حتى الآن.
استراتيجية “المنع المسبق” ومخاطر تحول المسارات
تؤكد وزيرة الداخلية البريطانية أن “الاتجار بالمهاجرين لا يبدأ ولا ينتهي على شواطئ شمال فرنسا”، وهو ما يفسر التوجه البريطاني الجديد للضغط على هذه الشبكات في مراحلها الأولى وقبل الشروع في الرحلات البحرية الخطرة. وتخشى السلطات البريطانية من أن يؤدي التشديد الأمني المتواصل حول منطقة كاليه الفرنسية إلى دفع شبكات التهريب للبحث عن نقاط انطلاق بديلة، بما في ذلك السواحل البلجيكية. ورغم أن عمليات المغادرة من الشواطئ البلجيكية لا تزال محدودة جدا مقارنة بنظيرتها الفرنسية، إلا أن وجودها يمثل إنذارا مبكرا لقدرة المهربين على التكيف وتغيير مساراتهم الجغرافية بسرعة عند زيادة الضغط على الطرق التقليدية. لذا، تركز لندن على التدخل الاستباقي عبر الاستخبارات والتحقيقات المشتركة بدلا من انتظار وصول القوارب الصغيرة إلى مياه القنال.
تعزيز أوروبي شامل في أعقاب القمة الفرنسية البريطانية
يكتسب هذا الاتفاق بعده السياسي الخاص كونه يأتي بعد ستة أيام فقط من اللقاء الذي جمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برئيس الوزراء البريطاني أندي بورنهام في داونينغ ستريت في 3 سبتمبر الجاري، حيث تم التأكيد على ضرورة توسيع نطاق الجهود المشتركة لتشمل دولا أوروبية أخرى. وتظهر الأرقام البريطانية حجم الجهد المبذول، حيث تم إحباط أكثر من 48,000 محاولة عبور للقنال منذ الانتخابات البريطانية الأخيرة، مع مضاعفة عدد موظفي وكالة الجريمة الوطنية المكلفين بمكافحة الجريمة المنظمة المرتبطة بالهجرة ليصل إلى نحو 800 عميل. وبهذا الاتفاق، تنتقل الاستراتيجية البريطانية من مجرد منع مغادرة القوارب من شواطئ “با-دو-كاليه” إلى تفكيك السلسلة اللوجستية بأكملها. ويظل التحدي الأكبر متمثلا في مواكبة المرونة العالية لهذه الشبكات الإجرامية، مما يجعل من هذا التحالف الثلاثي المرتقب بين لندن وباريس وبروكسل نموذجا حيويا للأمن الأوروبي المشترك في السنوات المقبلة.
وهذه هي أول معاهدة ثنائية للتعاون الشرطي يتم توقيعها بين دولة عضو في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة منذ خروج بريطانيا من الكتلة المجتمعية، Brexit، والتي دخلت حيز التنفيذ في بداية عام 2020 بعد الاستفتاء الذي أجري في عام 2016.
فبعد أكثر من ست سنوات على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تسعى لندن إلى تعزيز تعاونها العملياتي مع جيرانها الأوروبيين في المناطق التي تعبر فيها الشبكات الإجرامية الحدود الوطنية بسرعة.









