أعادت خدمة الأبحاث البرلمانية الأوروبية تقييم أزمة الهجرة التي شهدتها مدينة سبتة في نهاية يوليوز الماضي، من خلال تحديث مذكرة بحثية بعنوان «أزمة الهجرة في سبتة: ماذا تعني لإسبانيا وبقية الاتحاد الأوروبي؟»، نُشر في 8 أكتوبر الجاري، متضمنا قراءة للتداعيات الأمنية والقانونية والسياسية للأزمة على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
وتتناول المذكرة العبور الجماعي الذي شهدته المدينة يوم 30 يوليوز 2026، حين دخلها عشرات الآلاف من الأشخاص قادمين من المغرب، وفق التقديرات التي أوردتها الوثيقة، في واقعة أعادت إلى الواجهة هشاشة بعض نقاط الحدود الأوروبية، وأثارت تساؤلات بشأن قدرة المؤسسات الأوروبية على الاستجابة للأزمات المفاجئة، والتنسيق بين الدول الأعضاء في مواجهة تدفقات الهجرة غير النظامية.
وتشير الوثيقة إلى أن الأزمة تجاوزت تداعياتها المستوى الإسباني، لتصبح موضوعا للخلاف داخل الاتحاد الأوروبي بشأن أمن الحدود، وسياسات تسوية أوضاع المهاجرين، وتسريع عمليات الإعادة، ودور التعاون مع الدول الواقعة خارج الاتحاد في تدبير الهجرة.
المغرب في معادلة أمن الحدود الأوروبية
تخصص المذكرة حيزا مهما للعلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب في مجال الهجرة، باعتبار المملكة شريكا رئيسيا في تدبير الحدود ومكافحة شبكات تهريب المهاجرين. وتعرض في هذا السياق برامج التعاون القائمة، بما فيها الدعم المالي الأوروبي، والتنسيق العملياتي، والتعاون في مجال إعادة القبول، إلى جانب الجهود الرامية إلى تطوير مسارات الهجرة النظامية.
وعقب الأزمة، اتجهت المؤسسات الأوروبية إلى الدعوة لتعزيز التعاون مع الدول الشريكة، وفي مقدمتها المغرب، مع تكثيف الجهود لمكافحة شبكات التهريب، وتحسين تبادل المعلومات، وتطوير آليات الإنذار المبكر، ومواجهة المحتويات المضللة المتداولة عبر المنصات الرقمية.
وتبرز المذكرة أن تدبير الهجرة أصبح مرتبطا بصورة متزايدة بأمن الحدود الخارجية للاتحاد وبالقدرة على الاستجابة للتحركات الجماعية المفاجئة. كما تشير إلى طلب إسبانيا دعما إضافيا من الوكالات الأوروبية المختصة، بما فيها الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل «فرونتكس»، وإلى بحث إمكانية تعزيز حضورها العملياتي في سبتة.
ميثاق الهجرة واللجوء يغير قواعد التعامل مع الطلبات
تكتسب الأزمة أهمية إضافية في ضوء بدء تطبيق ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي في 12 يونيو 2026. وتوضح المذكرة أن القواعد الجديدة تتضمن إجراءات للفحص الأولي والتحقق من الهوية والبيانات الأمنية والصحية، فضلا عن آليات لمعالجة بعض طلبات الحماية الدولية عبر إجراءات حدودية معجلة.
وتلفت الوثيقة إلى إدراج المغرب ضمن قائمة الاتحاد الأوروبي لبلدان المنشأ الآمنة، وهو تصنيف يتيح إخضاع طلبات مواطني هذه البلدان لإجراءات معجلة وفق الشروط القانونية ذات الصلة. غير أن هذا التصنيف لا يعني الرفض التلقائي لكل طلب حماية؛ إذ تظل الحاجة قائمة إلى تقييم الظروف الفردية واحترام الضمانات القانونية المقررة.
كما تتناول المذكرة آليات التضامن بين الدول الأعضاء، وإمكانية تقديم الدعم المالي أو استقبال أشخاص من الدول التي تواجه ضغوطا استثنائية، إلى جانب قواعد جمع البيانات البيومترية والتعامل مع حالات الأزمات.
وتكشف هذه العناصر عن تداخل متزايد بين تدبير الحدود وإجراءات اللجوء، في وقت تسعى فيه المؤسسات الأوروبية إلى تسريع معالجة الملفات والحد من حالات الإقامة غير النظامية.
خلاف أوروبي بشأن أسباب الأزمة وسبل مواجهتها
لا تقتصر المذكرة على الجوانب الأمنية والقانونية، بل ترصد أيضا تباين مواقف الدول الأعضاء بشأن أسباب أزمة سبتة وتداعياتها. فقد أثارت سياسات إسبانيا المتعلقة بتسوية أوضاع بعض المهاجرين انتقادات من دول أوروبية اعتبرت أنها قد تشجع مزيدا من الوافدين، في حين دافعت مدريد عن خياراتها القانونية.
وتبحث الوثيقة كذلك دور المعلومات المضللة على شبكات التواصل الاجتماعي في تعبئة المهاجرين وتشجيعهم على محاولة العبور، والحاجة إلى تطوير وسائل الرصد المبكر والتنسيق بين السلطات والمنصات الرقمية. لكنها تعرض هذه المسألة ضمن مجموعة من الفرضيات والتساؤلات التي تستدعي التحقق، ولا تقدم دليلا قاطعا يثبت مسؤولية جهة بعينها عن تنظيم التحركات.
وعلى المستوى المؤسسي، دعا البرلمان الأوروبي إلى تعزيز التنسيق بين الدول الأعضاء، وتسريع إجراءات الإعادة وإعادة القبول مع المغرب، وتحسين استخدام الموارد الأوروبية المخصصة لإدارة الحدود. كما برزت الدعوات إلى جعل التعاون مع الدول الثالثة عنصرا أساسيا في الاستجابة الأوروبية لأزمات الهجرة.
من إدارة الحدود إلى مستقبل الشراكة المغربية الأوروبية
تتيح المذكرة قراءة أوسع لموقع المغرب في السياسة الأوروبية للهجرة. فالمملكة حاضرة في هذه السياسة باعتبارها بلدا منشأ للمهاجرين، وبلدا عبور، وشريكا في مكافحة التهريب وإدارة الحدود، وطرفا في برامج التنقل القانوني والتعاون الاقتصادي.
لكن الأزمة تطرح أيضا سؤالا بشأن توازن هذه الشراكة: إلى أي حد يمكن أن يستمر التعاون إذا انحصرت أولوياته في ضبط الحدود وإعادة القبول، من دون تطوير موازٍ لمسارات الهجرة النظامية والتنقل المهني والتنمية المشتركة؟
وتزداد أهمية هذا السؤال في ضوء النقاش الأوروبي حول تقاسم المسؤولية بين الدول الأعضاء، وحدود الاعتماد على الدول المجاورة للاتحاد في احتواء ضغوط الهجرة.
وتوثق مذكرة خدمة الأبحاث البرلمانية الأوروبية كيفية انتقال آثار أزمة حدودية، إلى ملفات أمنية وقانونية ومؤسسية أوسع. وهي مادة مفيدة لمتابعة التحولات التي تعرفها السياسة الأوروبية للهجرة، ولتحليل موقع المغرب في إعادة صياغة التعاون مع الاتحاد الأوروبي، في مرحلة تتداخل فيها اعتبارات الأمن واللجوء والتنقل والعلاقات الخارجية.









