في تحول نوعي من مفهوم الدفاع الحدودي التقليدي إلى “إدارة الأمن الاستباقي”، أعلنت فنلندا رسميا عن الانتهاء من بناء منظومة سياج حدودي بطول 200 كيلومتر على طول حدودها الشرقية مع روسيا. وتأتي هذه الخطوة، التي استكملت قبل موعد تسليمها المقرر بقليل، كترجمة عملية لتغير المعادلة الأمنية في أوروبا، وترسيخا لمبدأ سيادة الدولة في مواجهة تكتيكات الحرب الهجينة المعاصرة، وفي مقدمتها ظاهرة “الهجرة المسيسة” التي تستهدف زعزعة الاستقرار عبر الدفع المتعمد بالأفراد نحو المعابر الحدودية. وتشير “الهجرة المسيسة” إلى الدفع المتعمد بأعداد كبيرة من طالبي اللجوء نحو المعابر الحدودية كتكتيك من تكتيكات الحرب الهجينة. وكانت فنلندا قد أغلقت حدودها مع روسيا في أواخر عام 2023.
ما وراء الأسلاك: إعادة تعريف الأمن الحدودي في العصر الهجين
لم يعد السياج الحدودي مجرد حاجز مادي، بل أداة ردع استراتيجي. حيث أكدت وزيرة الداخلية الفنلندية، ماري رانتانين، أن هذا المشروع يأتي استجابة للتغيرات الجذرية في المشهد الأمني الأوروبي، لا سيما بعد الغزو الروسي لأوكرانيا وتصاعد وتيرة “عمليات التأثير الهجينة”.
وفي هذا الإطار، شددت الوزيرة على أن “كل دولة مطالبة اليوم بضمان أمنها القومي وحرمة حدودها بشكل استباقي”، في إشارة واضحة إلى أن الأمن لم يعد رفاهية، بل هو ركيزة أساسية للسيادة الوطنية، بحسب موقع هيئة البث العام الوطنية الرسمية في فنلندا (yle.fi).
التشريع كدرع واق: مواجهة “الهجرة المسيسة“
بموازاة الإنجاز الهندسي، تتجه الحكومة الفنلندية إلى تعزيز الترسانة القانونية، حيث اقترحت تمديد العمل بـ “قانون أمن الحدود” لعامين إضافيين. ويهدف هذا التمديد إلى تحصين البلاد ضد تكتيك “الهجرة المسيسة ” (Instrumentalised Migration)، الذي يعتمد على استخدام تدفقات اللجوء كأداة ضغط سياسي وأمني. وتأتي هذه الخطوة استكمالا لقرار إغلاق الحدود في أواخر 2023، مما يعكس نهجا مؤسسيا متكاملا يجمع بين البنية التحتية المادية والتشريع الرادع.
البعد الأوروبي: فنلندا في طليعة الدعوة لتمويل الأمن المشترك
من زاوية السياسة الخارجية، استغلت فنلندا هذا الإنجاز لتوجيه رسالة إلى الاتحاد الأوروبي. فبالإشارة إلى أن الحدود الفنلندية الروسية تمتد لمسافة 1,340 كيلومترا (وهي الأطول بين روسيا وأي دولة في الناتو أو الاتحاد الأوروبي)، دعت رانتانين إلى ضرورة تخصيص تمويل أوروبي مخصص للدول الأعضاء الشرقية. وشددت على أن “مشاريع الصمود الحدودي ليست شأنا محليا فحسب، بل هي خط دفاع أول عن الأمن الأوروبي المشترك، وتستدعي تضامنا ماليا ومؤسسيا”.
يمثل استكمال هذا المشروع نموذجا مرجعيا للدول الواقعة على خطوط التماس الجيوسياسية، حيث يدمج بين السرعة في التنفيذ، والدقة في التخصيص الجغرافي، والتكامل مع الأطر القانونية. ومن المرجح أن تدفع هذه الخطوة مؤسسات الاتحاد الأوروبي لإعادة تقييم آليات تمويل البنى التحتية الأمنية في دول الجوار الشرقي.









