فؤاد مليح, كاتب ومفكر, فرنسا.
بين قاعات الجامعات الأوروبية وفضاءات الفكر العربي، تشكّلت تجربة الدكتور فؤاد مليح، الباحث والأستاذ الجامعي، الذي ينتمي إلى جيل من أبناء المهاجرين الذين عادوا إلى أسئلة اللغة والذاكرة والتراث من أجل صياغة مشروع معرفي يتجاوز الزمن.
في بودكاست “لقاء مع سهيلة الريكي”، بدا واضحا أن مساره ليس مجرد سيرة أكاديمية، بل قصة إنسانية عن البحث الدائم عن معنى الانتماء.
من قاعات النخبة إلى أسئلة الهوية
بدأ د. مليح مساره في الأقسام التحضيرية الفرنسية، حيث الصرامة والجدية والرهان على التفوق. لكن خلف هذا التكوين الصارم، كان هناك صوت داخلي يذكّره بذاكرة عائلية مغربية وبأسئلة لم يجد لها جوابا في المناهج وحدها. لذلك اختار دراسة العربية والفارسية والتاريخ، لا بدافع الفضول الأكاديمي فقط، بل بحثا عن توازن بين تكوينه الفرنسي وبين جذور ثقافية ظلّت حاضرة في وجدانه.
من جهة أخرى، وسعت تجارب الإقامة والعمل في دمشق وبيروت وأبو ظبي من أفقه الفكري، وشجعته على الانفتاح على أكثر من مشروع معرفي، ليصبح التعدد الثقافي عنده طاقة خلاقة.
التراث كحوار مع الحاضر
في قراءاته لابن سينا والتوحيدي، لا يتعامل د. مليح مع التراث كأثر محفوظ في الكتب، بل كحوار حي مع الحاضر. فهو يرى أن قيمة هذه النصوص تكمن في قدرتها على طرح أسئلة لا تزال راهنة: كيف نفكر؟ كيف نختلف؟ وكيف نبني معرفة دقيقة في عالم سريع التغير؟ أما الترجمة، فهي بالنسبة له ليست مجرد نقل كلمات من لغة إلى أخرى، بل محاولة لإعادة منح النص حياة جديدة من دون أن يفقد كثافته الأصلية.
جسر بين الضفتين
ما يميز تجربة مليح أنه لم يتوقف عند حدود الحكاية الفردية، بل جعل منها صورة أوسع عن مغاربة العالم. هو نموذج لمثقف استطاع أن يحوّل تعدد الانتماءات إلى قوة، وأن يجعل من اللغة طريقا إلى الفلسفة، ومن التراث وسيلة لفهم العالم المعاصر. في سيرته يتجسد معنى أن تكون ابن الهجرة: لا مجرد عودة إلى الماضي، بل بناء جسر حي بين الضفتين، حيث يعتبر د. مليح نموذج للمفكر الذي يفتح الحوار بين الثقافات المختلفة.









