Goul-IA, le premier chatbot 100% Marocains du monde

Goul-IA, the world's first 100% Moroccan chatbot

Goul-IA أول مساعد رقمي للمحادثة مخصص 100% لمغاربة العالم

شارك في منتدى النشرة الإخبارية Newsletters

ندوة علمية تقارب راهنية فكر ابن رشد

شهد الرواق المشترك لمجلس الجالية المغربية بالخارج وباقي المؤسسات، يوم السبت 2 ماي 2026 ندوة فكرية ناقشت راهنية فكر ابن رشد الذي شكلت أعماله مرجعا فلسفيا في العلاقة بين العقل والإيمان، وما زال العالم يستحضر بعد تسعة قرون من ميلاده، إرثه الداعي إلى إعمال الفكر النقدي.

الندوة التي أطرها الأستاذ المحاضر بجامعة لورين بفرنسا، فؤاد مليح، والذي اشتغل على تعبيرات الفكر العربي في العصر الكلاسيكي، شارك فيها كل من الفيسلوف والجامعي وعضو المعهد الدولي للفلسفة، علي بن مخلوف، إلى جانب الأستاذ المساعد في الفلسفة العربية الكلاسيكية بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، إسماعيل أصبان.

Pourquoi Averroès est toujours notre contemporain ?

“التقنية الفكرية” علة بقاء فلسفة ابن رشد

ليس من البديهي الإجابة على سؤال لماذا نقرأ ابن رشد اليوم؛ بالنظر إلى أن فكره لم يكن يخاطب عامة الناس، وهذه الصفة تحديدا هي سبب استمرار فكره إلى اليوم، بحسب الفيلسوف علي بن مخلوف.

 فالدقة التقنية لفكر ابن رشد الذي جاء بمفاهيم من قبل القياس الشرعي والعقلي، والتمييز بين العقل والفكر… كانت بمثابة الدرع الذي جنبها النسيان؛ “لأن الفكر الذي ينتشر مبكرا يختفي سريعا بينما الفكر الذي يتطلب جهدا من أجل الفهم هو فيعبر العصور”، يشرح بن مخلوف مشددا على أن هذه الدقة التقنية ضمنت لفكر ابن رشد البقاء إلى اليوم سواء في العالم الإسلامي وفي الحضارة الغربية.

وتوقف على بن مخلوف في هذه الندوة، على بعض المفاهيم الأساسية في فكر ابن رشد، مثل مفهوم “القياس” باعتباره مفهوما أساسيا عند ابن رشد. فالقياس بحسب علي بن مخلوف هو تقييم فرضيتين، تسميان المقدمات، بربطهما ببعضهما بواسطة مصطلح وسيط، يكون نقطة مشتركة بدونها لا يمكن الحديث عن قياس.

“هذه البنية المقارنة هي التي تمنح العقل طابعه المعتدل والمتوازن: فهو لا يحكم بشكل قاطع، بل يقيس ويضع الأمور في نصابها، فالعقل ليس متطرفا لأنه يعتمد أساسا على المقارنة»، يشرح صاحب كتاب”

“الشارح الأكبر”

وفي مناقشته لعلاقة ابن رشد بفلسفة أرسطو، يبرز بنمخلوف بأن فكر ابن رشد، وإن كان يندرج ضمن التقاليد العريقة للفلاسفة العرب الذين أعادوا صياغة فلسفة أرسطو، لكنه يتميز عنهم بلقب فريد هو “الشارح الأكبر” (Commentator)  على اعتبار أن ما درسته أوروبا في العصور الوسطى حول منطق أرسطو كان من خلال شروح ابن رشد، مضيفا أن الفلاسفة مثل مونتين على سبيل المثال “اطلع على فلسفة أرسطو من هذا المنظور، نفس الأمر بالنسبة  للقديس توما الأكويني، حتى وإن كان ينظر لابن رشد، في أوروبا اللاتينية، كشخصية شبه ملحدة بسبب مفهومه عن “وحدة العقل”.

ويذكرنا الفيلسوف علي بن مخلوف، بأن “الشرح” هو عمل إبداعي، حيث أنتج ابن رشد ثلاثة أشكال من التعليقات، اثنان منها لا يزالان ذا أهمية كبيرة في الأعمال العلمية والفلسفية، وهما الشرح الكبير (التفسير) والشرح المتوسط أو الملخص (التلخيص).

ابن رشد: الطبيب والقاضي والفيلسوف

إلى جانب الفلسفة، توقف على بن مخلوف على جانب أخر من فكر ابن رشد ذو طابع قانوني، بحيث عمل من خلال مفهوم “الفتوى” باعتبارها رأيا استشاريا وليست حكما قضائيا، على إدخال الفلسفة إلى فضاء ثقافي كانت تفقد فيه الشرعية. ويعتبر صاحب كتاب “لماذا نقرأ الفلاسفة العرب”، أن ابن رشد عمل بهذا التصرف الشجاع على توظيف المنطق في القانون، وتمكن بذلك من إضفاء طابع قانوني- شرعي على الفلسفة.

نفس الأمر فيما يتعلق بتوظيف مفاهيم مقبولة دينيا مثل «الحكمة» أو «الفكر» والتي لا تعتبر فلسفة، لكنها تفتح الباب أمامها، وهذه الاستراتيجية التي تستبدل المصطلحات الفلسفية بمرادفات تحظى بشرعية دينية، شكلت في تقدير بنمخلوف الصراع الأكبر عند ابن رشد، مضيفا أن الأخير أرسى نهجا يقارن بين كلامه وكلام أرسطو، ليخلق بذلك تعددية جدلية تتواجه فيها الأصوات وتثري بعضها بعضا”.

ومن المفارقات، بحسب علي بن مخلوف، أن ابن رشد كان طبيبا وقاضيا ولم يُعرف في حياته كفيلسوف، “ومن سخرية القدر أن نصوصه القانونية لم تُدرس بقدر ما دُرست أعماله الفلسفية، علما أن ما قدمه فكريا كان حاسما في المجال القانوني.

إن استمرار الاهتمام بفكر ابن رشد إلى اليوم مرده إلى ما يري فيه بن مخلوف فعلا فكريا ناذرا، ذلك بأن ابن رشد استطاع ترجمة مفاهيم دينية لتصبح مفاهيم متداولة خارج الدين؛ فاستطاع نقل مفهوم العدالة، على سبيل المثال، وهو مفهوم راسخ في القرآن، إلى خارج سياقه الأصلي، وهو ما سيقوم به لاحقا الفيلسوف كانط عندما حوّل مفاهيم توراتية إلى مفاهيم علمانية صارمة، “وبذلك أظهر ابن رشد إمكانية وجود أساس مشترك للمعنى بين الأديان والتقاليد المختلفة” يستنتج بن مخلوف.

وخلص بن مخلوف في الجزء الأخير من تفاعله مع الأسئلة التأطيرية للندوة إلى أن شخصية ابن رشد أثارت الجدل في الشرق كما في الغرب، فقد انتقدت الكنيسة في باريس ومنعت أعماله بين سنتي 1270 و1277، لأنها اعتبرتها مخالفة للعقيدة.

كما أن ابن رشد في تصور علي بنمخلوف الذي خصه بمؤلف بعنوان “ابن رشد عند إرنست رينان”، كان بمثابة “المفكر الذي أرادوا هزيمته، ودحض أطروحته، وشخصية خارجة عن المألوف ومتمردة وعلى خلاف مع الجميع، ومع ذلك فقد استطاعت القاعدة التي أرساها من خلال عبارة “الحق لا يضاد الحق” مقاومة جميع محاولات الطمس عبر القرون؛ فالتناقض بحسبه هو جزء من المنطق والحقيقة تكفي بذاتها، “وهنا تكمن راهنية ابن رشد” كما يرى بن مخلوف.

علم الكلام والمنطق عند الرازي

في مداخلته خلال هذه الجلسة الفكرية استهل الباحث والأستاذ المساعد في الفلسفة العربية الكلاسيكية بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، إسماعيل أصبان، مداخلته بالحديث عن النقاش المستمر منذ النشأة بين علمين هما الفلسفة عند ابن سينا التي تنقسم الى قسم عملي وآخر نظري، وبين علم الكلام الذي يهتم بالدرجة الأولى بالأمور الغيبية والوجودية، معتبرا أن التراث الفلسفي الذي نقل الى العربية بفضل ابن رشد في العصر العباسي تطور الى ظهور طريقة المتأخرين (العلماء الذين جاؤا بعد القرن الأول للإسلام).

وأكد أصبان أنه بعد ابن رشد، ظهر مفكرون في المنطقة المغاربية مثل فخر الدين الرازي الذي اختار طريقة جديدة في الكلام تمزج بين علم الكلام والفلسفة، بحيث حصل له تلاقي كبير مع العرب المتقدمين (علماء الإسلام الأوائل في الفقه والحديث) وتجاوز بعض الإشكالات الكلامية في منهجيتهم، وكان لفكره تأثير كبير في المغرب، انبثق عنه المذهب المالكي، كما جعل اشتغاله على فكر ابن سينا يترك بصمة في تطور المنطق في العالم الإسلامي وليس في المغرب فقط.

وفي معرض تفاعله مع تساؤل للدكتور فؤاد مليح حول حضور فلسفة ابن رشد لدى المتكلمين (أي المهتمين بإثبات العقائد الإيمانية باستخدام الأدوات العقلية) الذين تأثروا بفكر الرازي، اعتبر أصبان أن المنطق كان حاضرا لدى المتكلمين، الذين اعتمدوا على كتب المتقدمين، خاصة مع بروز الطريقة الجديدة بحيث أصبح علم المنطق يدرسه النحوي والطبيب والمحدث والفقيه.

“من أمثلة ذلك؛ إذا رجعنا الى الكتب المؤلفة في علم القران، والتي كان يكتبها عادة أعلام لهم اختيارات معارضة للعلوم العقلية، أصبحنا نجد أن هناك من الفلاسفة ما يستعمل المنطق في تفسير القران والحديث، مضيفا أن المتأخرين استخدموا هذا الفن، أي المنطق، لإبراز المهارات الاستدلالية واستنباط المعالم التي لم يقف عليها المتقدمون” يقول الباحث الذي اشتغل في أطروحته على “تلقي فخر الدين الرازي “عند المتكلمين في الغرب الإسلامي”.

الحكمة بدل الفلسفة

أما بخصوص الاستخدام الفكري لمفهومي الحكمة والفلسفة، فيرى أصبان إن أصحاب العلوم الشرعية فضوا استعمال مفهوم “الحكمة” حتى يغطوا على الحمولة السجالية لمفهوم “الفلسفة”، واستدرك قائلا إنه “وان اختلفت الأسماء فان الفلسفة والحكمة تعبران عن نفس المفهوم، وذلك ما يظهر من خلال تراث ابن سينا الذي كان فلسفة بالدرجة الأولى”.

وعندما طرح النقاش حول تتبع فكر ابن رشد من طرف المتأخرين المغاربة، توقف أصبان على بعض الردود التي ظهرت من المغرب على عدد من أعمال ابن رشد مثل كتاب “الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة”، وكتاب “تهافت التهافت”، منها أعمال ابن بزيزة، وابن شريفة… مباشرة في القرن الذي أعقب وفاته، داعيا إلى تعميق الدراسة الأكاديمية حول تفاعل المغاربة مع أعمال ابن رشد ومع باقي المفكرين المشارقة.