خالد اليملاحي, كاتب وناقد أدبي, الولايات المتحدة الأمريكية.
لم يكن مسار خالد اليملاحي مجرد انتقال بسيط من الهندسة إلى الأدب، بل حكاية إصغاء طويل لنداء داخلي يلح عليه منذ الطفولة. ولد هذا الميل الأول إلى الكتابة في الرباط، ثم رافقه إلى باريس، حيث اشتغل مهندسا قبل أن يدرك أن الأدب لم يكن هامشا في حياته، بل الطريق الذي سيعيد ترتيب حياته.
من هناك بدأت رحلة أخرى قادته إلى جامعة أكسفورد، ثم إلى جامعة شيكاغو، حيث يدرّس اليوم الأدب الفرانكوفوني وهو يحمل معه أسئلة الهجرة، واللغة، والذاكرة، والانتماء.
في هذه الحلقة من بودكاست “لقاء مع سهيلة الريكي”، المسجلة على هامش الدورة الحادية والثلاثين من المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، يستعيد اليملاحي محطات من سيرته باعتبارها تحولات صنعت علاقته بالكتابة: من شغف البدايات، إلى البحث في تجربة “أنفاس”، ثم إلى الرواية والترجمة والانشغال الدائم بسؤال الإنسان حين يعبر بين اللغات والأمكنة.
حين انتصر الأدب على الهندسة
في الرباط، داخل أسرة قريبة من الكتب واللغة، بدأت علاقة خالد اليملاحي الأولى بالكتابة. كتب بالعربية نصوصا تشبه يوميات البدايات، وبعد ارتياده المعهد الفرنسي، وجد مساحة أخرى للتعبير واختبار صوته الخاص. غير أن هذا الميل المبكر لم يتحول مباشرة إلى اختيار مهني؛ فقد قادته الحسابات العملية إلى الهندسة والعمل في باريس. هناك، وبعد عام واحد فقط، شعر بأن شيئا أساسيا ينقصه، فعاد إلى الأدب من باب الدراسة ليلا وفي عطلات نهاية الأسبوع لمدة خمس سنوات، إلى أن اختار أخيرا أن يترك الهندسة ويتبع ذلك النداء القديم إلى أكسفورد.
التمرد والنوستالجيا: الخطيبي وخير الدين واللعبي
في أكسفورد، تطورت فكرة العودة إلى الأدب في اتجاه مشروع بحثي واضح الملامح.
بتشجيع من أستاذته، اقترب اليملاحي أكثر من الأدب المغربي الفرانكوفوني، واختار أن يصغي إلى ثلاثة أصوات كبرى من جيل مجلة “أنفاس”: عبد الكبير الخطيبي، وعبد اللطيف اللعبي، ومحمد خير الدين، ويتعامل معها كمسارات إنسانية مختلفة: اللعبي بين الشعر والسجن والنضال، وخير الدين بلغة تشتعل بالغربة والهجرة، والخطيبي بقدرته النادرة على العبور بين الرواية، والفكر، والسوسيولوجيا، والمسرح.
الترجمة جسرا بين الشمال والجنوب
من البحث في أصوات “أنفاس”، ينتقل اليملاحي إلى سؤال آخر لا يقل حضورا في مساره: كيف تعبر النصوص بين اللغات دون أن تفقد روحها؟ تبدو الترجمة، في تجربته، أكثر من نقل نص من لغة إلى أخرى؛ إنها عودة إلى القارئ، ومحاولة لفتح ممرات جديدة بين الضفاف. لذلك يفكر في إعادة كتابة مؤلفاته الأكاديمية بالفرنسية والعربية، لا كترجمة حرفية، بل كنص يخاطب القارئ المغربي مباشرة.
حادثة غرق حقيقية تتحول إلى رواية
وإذا كانت الترجمة تفتح النصوص على قراء جدد، فإن الرواية عند اليملاحي تنطلق، أحيانا، من جرح لا يجد مكانه في الخبر الصحفي العابر. ففي روايته “استحضار نصب تذكاري في البندقية”، لم يبدأ من فكرة أدبية جاهزة، بل من خبر موجع ظل عالقا في الذاكرة: غرق شاب مهاجر في قناة بالبندقية سنة 2017. أمام مدينة يعرفها العالم بجمالها ومائها وواجهاتها السياحية، وجد نفسه أمام مشهد آخر، قاس وصامت. من الغضب والعجز والخزي ولدت الكتابة، لا في شكل حكاية مكتملة الأجوبة، بل في شذرات تترك فراغاتها مفتوحة، كأن النص نفسه يعترف بأن بعض المآسي لا يمكن تفسيرها بالكامل.
“رواية أجنبية” ووجع بطاقة الإقامة
جاءت روايته الأولى “رواية أجنبية” من واقع يعرفه كثير من المهاجرين ويجهل ثقله من لا يعيشونه: تجديد بطاقة الإقامة سنة بعد أخرى. في باريس، كان اليملاحي يرى كيف يتحول هذا الموعد الإداري إلى قلق حقيقي، وكيف يصعب شرحه لمن لا يمر به. هكذا صارت بطاقة الإقامة مدخلا إلى رواية عن الانتظار والضغط والهشاشة، وعن الكتابة نفسها حين تتحول إلى طريقة لمقاومة ذلك التوتر.
الالتزام بالقضايا الانسانية وسؤال الأجيال
في امتداد هذا الانشغال بالذاكرة والعبور بين التجارب، يحضر الأدب الفلسطيني في حديث اليملاحي كجزء من ذاكرة شخصية وثقافية لا تنفصل عن جيل “أنفاس” واهتمامه بالقضية الفلسطينية.
يستعيد أثر رواية “رجال في الشمس” لغسان كنفاني، التي قرأها طفلا، إلى جانب شعر محمود درويش وأعمال جبرا إبراهيم جبرا.
ويعتبر أن التمرد لم يختف عند الأجيال الجديدة، بل هو بصدد تغيير لغته وأدواته من زمن إلى آخر، وأن حفظ الذاكرة الثقافية، عبر إعادة طبع الأعمال وفتح النقاش حولها، هو ما يسمح للأجيال بأن تتحاور بدل أن تبدأ دائما من الصفر.
تجربة خالد اليملاحي مع الأدب طريقة متفردة في النظر إلى العالم والإنصات إلى ذاكرته وأسئلته.
من الهندسة إلى الجامعة، ومن الرواية إلى الترجمة، ظل يمد خيطا رفيعا بين اللغات والأجيال والقارات، مؤكدا أن الكتابة، حين تنبع من حاجة صادقة، قادرة على أن تمنح للحياة مسارا مختلفا ومعنى أوسع.
اضغط هنا لمتابعة حلقات أخرى من بودكاست لقاء مع سهيلة الريكي









