في إطار تقديم الإصدارات التي نشرت بشراكة مع مجلس الجالية المغربية بالخارج لهذه السنة، تم يوم الأحد 10 ماي 2026 تقديم مؤلف جماعي بعنوان: “كازا: أرشيف مدرسة الدار البيضاء للفنون الجميلة 1962-1987” الصادر بتعاون مع مكتبة “Carrefour des livres” في المغرب ودا النشر الفرنسية “زمان-بوكس”، والذي أشرف على جمعه كل من فاطمة الزهراء لكريسا، مود هوسيه، مادلين دو كولنيه، مراد منتظمي.

المدرسة المغربية في التشكيل
وفي تقديمه لهذا المؤلف خلال هذه الندوة التي حضرها بالإضافة إلى المؤلفين مجموعة من أفراد عائلات رواد مدرسة الدار البيضاء للفنون الجميلة، اعتبر مؤرخ الفن ومندوب المعارض المقيم بفرنسا، مراد منتظمي، أن المؤلف يستعرض المسار التاريخي لواحدة من أبرز صفحات الفن التشكيلي المغربي بعد الاستقلال، وهي مدرسة الفنون الجميلة للدار البيضاء، التي كانت حاضنة لمجموعة من أهم الفنانين التشكيليين المغاربة مثل فريد بلكاهية ومحمد المليحي ومحمد شبعة…
ويشرح منتظمي كيف جمعت مدرسة الفنون التشكيلية في الدار البيضاء فنانين من مختلف المشارب أسسوا للحركة التشكيلية المغربية، وهو ما حاول هذا العمل التوثيقي والفني الذي استغرق جمعه وتأليفه حوالي ثماني سنوات من البحث والعمل، وأسهم فيه مجموعة من المهتمين بتاريخ الفن المغربي وانخرطت فيه أسر الفنانين المؤسسين لمدرسة الدار البيضاء، من خلال أرشيفاتهم الخاصة التي تمت المحافظة عليها.

وبعد التنويه بتعاون وانخراط أفراد أسر مجموعة من الفنانين المنتمين إلى هذه المدرسة التشكيلية الريادية، قدم مراد منتظمي وهو مدير منصة “زمان-بوكس” في باريس، الخطوط العريضة لمحتوى هذا المؤلف الذي جاء في أزيد من 440 صفحة، وتم تقسيمه الى أربعة محاور تغطي الفترة التاريخية لهذه المدرسة العريقة من 1962 إلى 1987، والتي تم تأسيسها من طرف الاستعمار الفرنسي، قبل أن يأخذ المغاربة تدبيرها بعد الاستقلال، لتكون إلى جانب مدرسة الفنون الجميلة بتطوان منطلقا للحداثة الفنية والتشكيلية المغربية.
ويؤكد منتظمي في هذا السياق على أن كل محور من محاور الكتاب الأربعة يحتوي على مقال أكاديمي، يؤطر سياقة المرحلة ومميزاتها الفنية والأحداث التي تزامنت معها، ترافقه مجموعة من الوثائق والصور المرتبطة بكل فترة على حدى، بالإضافة إلى شهادة حول الفنان الذي طبع كل مرحلة.


قبل بلكاهية كان موريس أراما
في مداخلتها في هذه الندوة، تطرقت الباحثة ومندوبة المعارض، مادلين دوكولنيه إلى المحور الأول من المؤلف بعنوان “المحور صفر” والذي يكشف المرحلة التي سبقت وصول فريد بالكاهية إلى إدارة مدرسة الدار البيضاء.
وأفادت المتدخلة في هذا السياق بأن أول مدير للمدرسة بعد الاستقلال هو موريس أراما، الذي وضع أسس مدرسة مستقبلية تهدف إلى خلق دينامية بيداغوجية والانفتاح البصري وتقديم نظرة فنية من المغرب.
“اشتغل “موريس أراما” مع عدد من الدبلوماسيين لتقديم مجموعة من المعارض الموجهة لجمهور الدار البيضاء، واطلاع الطلبة على تاريخ الفن، قبل أن يأخذ فريد بلكاهية المشعل؛ ويعمل، بحسب نفس المتدخلة، على تكوين الشباب وتمكينهم عبر برامج شراكات مع مؤسسات خاصة، من العمل في الميدان وهو ما شكل الانطلاقة الفعلية لهذه المدرسة.
ومن أجل منح الكلمة للفاعل الأساسي في هذه المدرسة، تم إدراج حوار سابق أجري مع بلكاهية في هذا المحور يتحدث فيه عن ولايته على رأس في المدرسة، تضيف مادلين دو دوكولنيه.


الدار البيضاء كفضاء للإبداع
وفي محور أخر من هذا المؤلف الجماعي اهتمت الباحثة والمنسقة الفنية التي تهتم في أعمالها بتشكل المدينة من خلال الفنانين، بالمحور المتعلق بالمدينة كفضاء ابداعي، بحيث استحضرت كيف كانت مدينة الدار البيضاء امتدادا طبيعيا للمدرسة، والثقافة الشعبية للمدينة كفضاء للتجذر ومختبر بالنسبة لطلبة مدرسة الفنون الجميلة تتيح لهم عدة أشكال للتعبير عن المدينة.
وتوقفت المتدخلة على الأعمال التطبيقية التي كان موضوعها الدار البيضاء، خاصة الأعمال الفوتوغرافية المتعلقة بالمدينة التي تطورت بتدشين بلكاهية لمختبر فوتوغرافي في المدرسة، مؤكدة في هذا الصدد على أهمية المدينة كفضاء للتعلم وفضاء للإبداع التشكيلي، وهو ما يجسده معرض الحضور التشكيلي لسنة 1969.
واهتمت المتدخلة بهذه المناسبة بمفهوم “احتلال المكان” وإقحام الفنون في الحياة اليومية، الذي يمكن من إعادة تملك ذاكرة المدينة وإنتاج أعمال تبرز خصائص المكان، بحيث كانت ساحة الجامعة العربية بالنسبة لأساتذة المدرسة كما بالنسبة للطلبة رواقا لعرض أعمالهم، تضيف المتحدثة قبل أن تسلط الضوء من جهة أخرى على مجلة “مغرب-ارت ” التي كانت تصدرها المدرسة كنافذة للتعبير البصري بالنسبة لطلبة المدرسة.
وبالنسبة إلى الباحثة مود هوسي، فإن قوة الكتاب تكمن في اشتغاله على مجموعة من الأرشيفات التي لم تكن معروفة لدى الجمهور.


مفهوم الوعي البصري عند شبعة
من جهة أخرى ركزت مداخلة الباحثة ومندوبة المعارض، فاطمة الزهراء لكريسا، على مفهوم “الوعي البصري” الوارد في الفصل الرابع من الكتاب، الذي أبدعه الفنان والمنظر محمد شبعة، الذي كان يحاول إيجاد رابط بين الفنون البصرية والفنون الشعبية، وبين فعل الكتابة والحس النقدي، وقناعته بخصوص دور الفنان داخل المجتمع، وما يمكن ان يقوم به الفن بالنسبة للمغرب.
وفي منظور المتدخلة فإن الدخول في حالة الوعي هاته، لا يتم إلا عندما نبدأ بإنجاز العمل الفني، “وبالنسبة للعديد من الفنانين المنتمين لمدرسة الدار البيضاء، كما عبر على ذلك شبعة في مقالاته بمجلة أنفاس، فإن أحد أهم لحظات الإنجاز هو علاقتهم بالفن التشكيلي، عندما أعادوا استكشاف الموروث الفني العريق الحامل لقوة جعلتهم ينخرطون بشكل مباشر في الحداثة” تضيف.

وتعتبر فاطمة الزهراء لكريسا أن هذا الموروث التاريخي يعود الينا في أشكال متعددة سواء عبر الهندسة المعمارية أو عبر المجوهرات او الزرابي وعبر الأعمال التي تم جمعها ودراستها خلال فترة الاستعمال… وقد مكّن جمعه وتصنيفه ودراسته من تحقيق انطلاقة فنية أدخلت رواد المدرسة التشكيلية المغربية في حداثة خاصة جعلتها تنخرط في الحداثة الكونية.
كما استعرضت الباحثة مجموعة من الأدوات الفنية من الموروث المغربي القديم التي تم الاشتغال عليها في مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء، والتي مكنت من بلورة وجهة نظر فنية تتجاوز العمل الفني أو الصورة لتخترق الفضاء العام؛ مشيرة إلا أن مختلف هذه العناصر تم توثيقها في مجلة “مغرب أرت” التي شكلت بالإضافة إلى كونها أداة بيداغوجية، وسيلة للتعبير بالنسبة للمدرسة والحوارات والنقاشات الفنية التي احتضنتها، كما مثلت بالنسبة للباحثين أداة تقدم عناصر لفهم علاقة الفنان بمحيطه، وعلاقته بالإنسان وعلاقته باللحمولة الدلالية لهذه القطع التراثية.






