مبدعة للفنون الاجتماعية – أستراليا
ميسون بوغا من هؤلاء الذين لا يمكن الإصغاء إليهم من زاوية واحدة. في صوتها شيء من الدار البيضاء، وشيء من أستراليا البعيدة، وشيء من حكايات الجدات التي تبقى معنا حتى حين نظن أننا ابتعدنا عنها كثيرا.
ابنة الأصول الأمازيغية، التي تعيش منذ سنوات طويلة في أستراليا، لا تتحدث عن التراث كما لو كان شيئا محفوظا في متحف، بل كشيء حي، يمشي معنا، يختبئ في الذاكرة، ثم يظهر فجأة في لقاء، أو نغمة، أو حكاية تروى أمام جمهور لا يعرف بالضرورة اللغة، لكنه يفهم الإحساس.
ما يبقى من البيت الأول
تعود ميسون في كلامها إلى البدايات: إلى بيت مغربي كانت فيه الأمازيغية جزءا من اليومي، كانت هناك الجدات، والنكت، والحكايات، وتلك الطريقة الخاصة في تمرير الحكمة دون أن تبدو كذلك.
أشياء بسيطة ظاهريا، لكنها تترك اثرا مهما مرت السنوات وتباعدت المسافات.
وحين أخذتها الحياة إلى أستراليا، لم تكن تلك الذاكرة قد تلاشت. ربما صارت أوضح… هناك، وسط ثقافة السكان الأصليين، وجدت ميسون أصداء قريبة مما تعرفه في داخلها: احترام الأرض، الحضور القوي للأجداد، قيمة العائلة، والإنصات لمن سبقونا. كأن المسافة الطويلة بين المغرب وأستراليا كشفت لها أن الإنسان، في عمقه، يبحث دائما عن المعنى نفسه: أين جذوري؟ ومن أين أبدأ الحكاية؟
حين تتكلم الموسيقى
من هذا السؤال ولد مشروع «من الشروق إلى الغروب»، كجسر بين ثقافتين بعيدتين على الخريطة وقريبتين في الحس. في مراكش، التقت أصوات من أستراليا بأصوات مغربية أمازيغية. حضر الرباب، وحضرت آلات أسترالية مثل الديدجيريدو، وحضر الفنانون بما يحملونه من ذاكرة وتجارب.
لم يكن الأمر عرضاً فنياً فقط، بل لحظة إصغاء متبادل… في مثل هذه اللحظات، لا تكون اللغة ضرورية. أحيانا تكفي نغمة واحدة لتقول إننا فهمنا شيئاً من بعضنا. كان الراحل الحسن بلمودن، بمعرفته العميقة بالرباب، جزءا من هذه التجربة التي جعلت الموسيقى تتقدم على الكلام، وتمنح للقاء صدقه وحرارته.
الحكاية التي لا تشيخ
تظل الحكاية هي قلب تجربة ميسون، الحكاية كما سمعتها طفلة، وكما أعادت اكتشافها فنانة، وكما رأتها تقف من جديد في ساحة جامع الفنا، وسط حكواتيين جاؤوا من المغرب ومن العالم. كان الهدف المعلن تحطيم رقم قياسي في الحكي، لكن المعنى الأجمل كان أبعد من الأرقام: قدرة التعبير الشفهي على جمع الناس حوله.
تتأمل ميسون أيضاً الفرق بين حرية الحكواتي في المغرب وصرامة نقل الحكايات عند السكان الأصليين في أستراليا. هناك، للحكاية أصحابها وأرضها وشروط روايتها. وهنا، يمنح الحكواتي للنص شيئاً من روحه. وبين التجربتين، لا يبدو السؤال سهلاً: كيف نحمي الذاكرة دون أن نخنقها؟ وكيف نترك للحكاية أن تتجدد دون أن تفقد أصلها؟
الإصغاء كطريقة للعبور
من أكثر ما يظل عالقاً في حديث ميسون فكرة «الاستماع العميق». أن نصغي لكي نفهم. أن نترك للآخر حقه في الصمت، وفي التردد، وفي اختيار ما يريد أن يقوله وما لا يريد. هذا الدرس يبدو ضروريا اليوم، خصوصا في زمن صار فيه كل شيء قابلا للاقتطاع وإعادة النشر والاستهلاك، حتى التراث والرموز والحكايات.
لهذا تتحدث ميسون عن حماية الملكية الفكرية للثقافات الأصلية، لا كفكرة قانونية جافة، بل كمسألة احترام.
ما لا تأخذه المسافة
تحلم ميسون اليوم بمشروع مسرحي يجمع فنانين مغاربة وأستراليين، وكأنها تريد أن تمنح لهذا الجسر شكلا جديدا. جسر لا يختصر المسافة بين بلدين فقط، بل يذكرنا بأن ما نحمله من طفولتنا وثقافتنا الأولى يمكن أن يصبح لغة لقاء مع العالم.
في حكاية ميسون بوغا، لا تبدو الهجرة ابتعادا نهائيا، بل عودة بطرق أخرى: عبر الفن، وعبر الإنصات، وعبر الرغبة في أن نفهم أنفسنا ونحن نلتقي بالآخرين.
بين المغرب وأستراليا، تمشي الحكاية بهدوء، حاملة معها ما لا تأخذه المسافة: الذاكرة، والجذور، وذلك الخيط الإنساني الذي يجعل العالم، رغم اتساعه، قابلا للقاء.
اضغط هنا لمتابعة باقي حلقات بودكاست لقاء مع سهيلة الريكي









