يوسف السباعي.. قصّة مغربيّ نجح مهنيا وحيّاه بَابَا الكنِيسَة

الإثنين, 26 يناير 2015

"وُلِد ليُلاَقي النجاح حيثما حلّ وارتحل".. أو هذا ما يدلّ عليه مساره حين التدقيق في محطّاته المتناثرة ما بين المغرب، وطنه الأمّ، وإيطَاليَا، مستقرّه الحالي، كما بدول الخليج والبلدان الأنكلُوسَاكسُونيّة التي يمتدّ إليها تعامله المهنيّ الحين في مجالات الهندَسة والاستثمار ومناقشات حوار الحضارات.

هو يوسف السباعيّ، ذو الـ55 عاما، الذي رأَى النور وسط مدينَة الرباط في أول سنوات الستينيات من القرن المَاضي.. وهو المغربيّ ـ الإيطاليّ الذي يفتخر بانتمائِه الإسلاميّ وخصّص بابا الفَاتِيكان، فرَانسْوَا الأوّل، بلقائين اثنين خلال موعدَين اثنين من العام 2014.

نُوستَالجيَا درَاسيَّة

طفولة السباعي أمضاها بحي التقدّم في الرباط، ونحو مدرسَة الحيّ ذاته، الحاملة لاسم "محمّد القاسمِي"، رافقه والدُه صوب أوّل حصّة دراسيّة يتلقَّاها وهو في السابعة من العمر.. غير أنّ صقل مستواه التعليميّ كان بثانوية التقدّم التي درس بها لسنوات.. ويقول يوسف عن ذلك: "كانت ثانويّة نموذجيّة وقتها، فحتّى قبول المسجّلين الجدد لا يتم إلاّ بعد التوفر على نقط متقدّمة، ولذلك كان مستوَى المتمدرسين بها ممتازا.. كما أن مراقبة الإداريّين كانت تمتدّ للهندام والانضباط.. ما مكّن كل التلاميذ المجتازين لامتحان الباكلوريا من النجاح بكاملهم رغم أن النسبة الوطنية لم تكن تتخطّى، حينئذ، الـ30%".

ويشدّد ذات المتحدّث، ضمن لقائه بهسبريس، على أنّ تكوينه بثانوية حي التقدّم في الرباط قد أرست أسس الجدّ والإصرار على النجاح ضمن شخصيّته، وقال في هذا السياق: "لقد ألفنا ذلك النمط المتشدّد في الكدّ منذ المرحلة الإعداديّة.. ذلك أنّ جيلي لم يكن يعتمد بالكامل على ما يتم تدريسه من محتويات بالمؤسّسة، بل يقوم بأعمال بحثيّة وسط المكتبات والمراكز الثقافيّة التي تشرف عليها السفارات.. وهذا ما أهلنا كي نكون جاهزين على مستوَى عالٍ لقصد الجامعات".

رفض وقبول

بعد إنهائه لسلك الدراسة الثانويّة، وكغالبيّة أفراد رعيله، اختار يوسف السباعي أن يتمّ مساره التحصيلي ضمن إحدَى الجامعات الأجنبيّة كي يغدُوَ مهندسا معماريا، مسايرا في ذلك توجّهات أقرانه الحالمين، وسط منطقته، بالتنقل نحو فرنسا أو بلجيكَا أو سويسرَا وحتّى كندَا، لكنّ كل الطلبات التي تقدّم بها في هذا الصدد لاقت رفضا تلو الآخر.

"تنقلي صوب الديار الإيطالية كان بالصدفة الصرفة، ذلك أنّ والدِي قرأ إعلانا في إحدَى الصحف يورد بأن الدولة الإيطالية قد تفتح أبوابها أمام الطلبة المغاربة الطامحين لإتمام دراساتهم، فما كان منه إلاّ أن سجّلنِي دون علمِي، وبعدها أخبرني بما قام به مخيّرا إياي ما بين الالتحاق بإيطاليا من عدمه" يقول السباعي قبل أن يسترسل: "وجدت هذه الخطوة تمكّنني من حلمي في ممارسة الهندسة المعمارية، ولذلك قبلت بخوض التجربة".

وتكلّف "مكتب تكوين الأطر" من الرباط بربط الاتصال مع الملحق الثقافي للسفارة الإيطالية في العاصمة المغربيّة لتمكين يوسف من تأشيرة الدراسة، كما أنّ منحة مغربيّة وُوفق على تمكين السباعي منها.. وهو ما يجعل ذات الإطار يقر بملاقاته كافّة التسهيلات الإداريّة من أجل قصده الديار الإيطاليّة.. فقد كان يعرف وجهته، ولوائح بأرقام هواتف يمكنه الاتصال بها لنيل الإرشادات التي يحتاجها.. بينما يضيف السباعي: "حللت بإيطاليا متأخرا عن انطلاق الموسم الدراسي، وكان ذلك في شهر دجنبر، بينما لم أكن أتحدّث الإيطاليّة، والمكلف بتسجيل الطلبة الجدد في جامعة جِينُوفَا وافق على التحاقي بشكل فوري عندما أخبرته أنّي مغربيّ وأتقن الفرنسيّة".

صعُوبَات وسيَّارَات

تنقل يوسف السباعي لإيطَاليا كان مطلع ثمانينيَات القرن المنصرم، وقد همّ مجتمعا إيطاليا يختلف عن البيئة التي اعتادها نفس المغربيّ بالرباط، وحي التقدّم على وجه الخصوص، غير أن ذات البيئة الإيطاليّة لم تبخل عن إبداء الترحاب بالوافد، ولم تقابله بأي من الممارسات العنصريّة.. "كان كل إيطاليّ أقصده لا يتمنّع عن تقديم المساعدة، وأتذكّر أنِّي، بفعل عدم إتقاني للغة بادئ الأمر، كنت أسأل كثيرا.. والكلّ كان يأخذ بيدي لأجل إيصالي إلى المكان الذي أقصده أو إرشادي إلى الوجهات التي أبتغيها" يقول يوسف.

ويضيف السباعي: "كنت في سنّ الـ20، ومكّنتني مصادقة الإيطاليّين من تحقيق الإندماج بمرور الأيّام، وساند ذلك تعرّفي على طلبة مغاربة يشاركونني الجامعة، هذا من جهة.. أمّا من جهة أخرَى فقد كان لقلّة قيمة المنحة الدراسية أثرها على ظروف العيش بجِينُوفَا، واضطررت لترك مقاعد الدراسة لأشهر قبل الاستدراك.. حيث أذكر أن إحدى المرات عرفت توقفي عن التحصيل لسنة قمت خلالها بالاشتغال في غسل السيارات وأعمال فلاحيّة، وبعد مراكمتي لرأسمال بسيط شرعت في المتاجرة بالسيارات، مستفيدا من غياب قانون للأجانب بإيطاليا وما يترتّب عنه من منع تجاه امتلاك العربات، إذ أقصد هولندا لاقتناء سيارات قبل معاودة بيعها فوق التراب الإيطاليّ.. ومن المضحك أنّي كنت أقصد الجامعة، عام تخرّجِي، بسيارة مِرسِيدِيس وسط استغراب من يشاركُونني الدراسَة".

رحلَة العمل

بعد التخرّج مهندسا معماريا، ورغبة في نيل خبرة ميدانيّة، أقدم يوسف السباعي، ببداية مساره، على الخضوع لمرحلة تدريب بمدينة طُورِينُو همّت "الهندسة المعمَاريّة في حالات الطوارئ".. لكنّ حنينه إلى المغرب دفعه للعودة السريعة نحو الوطن حيث وجد عملا بسرعة وسهولَة.

"تصادف وصولي، وقتها، لمدينة الرباط مع محاضرة يؤطّرها أحد الأستاذة الذين عرفتهم بنفس الجامعة التي تخرجت منها في إيطاليا.. لقد كان فضاء انعقادها وسط مبنى المدرسة الوطنية للهندسة وهمّ موضوعها التعمير بالرباط.. قصدت المؤطّر وتحدثت إليه بالإيطالية كي أعرّفه بنفسي، وهو ما أسعده إلى درجة طلبه منّي مساعدته في المحاضرة" يقول السباعي.

ويضيف نفس المتحدّث: "بعد انتهاء الموعد تقدّم منّي أحد الحاضرين ليعرض عليّ الاشتغال معه، لكنّي أخبرته برغبتي في فترة راحة نظرا لعودتي الفوريّة نحوب بلدي.. لكنّي بدأت العمل معه بعد شهر لأصبح مشاركا ضمن مشاريع تشييد همّت فنادق كبرى بكل من مراكش وطنجة وتطوان وأصيلة والعرائش والسعيديّة.. كما عملت بوكالتين للهندسة مستقرّتين بالرباط، وأعتبر مشواري موفقا وسطهما".

هجرة ثانيّة

بعد عامين من عودته للمغرب، عاود يوسف السباعي قصد الديار الإيطاليّة ضمن تحرّك سياحيّ.. لكنّه وجد نفسه، بعد ملاقَاة أصدقاء له يلمُّون بمساره ويثقون في كفاءته، يقبل عرض عمل ضمن مجال التزيِين بالغرَانيت والرّخام.. فما كان منه إلاّ أن وقع عقد اشتغال يفتح به بوّابة مسار مهنيّ جديد.

الموقع الجديد للسياعي مكّنه من التحرّك، كمهندس في إيطاليا يتقن التواصل بالعربية والإنجليزيّة والإيطاليّة، صوب مشاريع مقامة بعدد من بلدان الخليج العربيّ.. مستمرّا في مراكمة الخبرات والتجارب لـ6 سنوات قبل أن يفرض نفسه بموقع المسؤوليّة ضمن الشركة المشغّلة، مشرفا على تشيِيدَات كبرى بكلّ من جدّة ودُبيّ والرياض والكويت.

وأقدم ذات المغربي ـ الإيطاليّ، بداية سنوات الألفيّة الجاريّة، على إنشاء شركته الخاصّة التي أفلحت في انتزاع عقود تهمّ مشاريع بكلّ من المملكة العربيّة السعوديّة والمغرب.. وفي العام 2003 شرع في التوسّع ضمن السوق المغربيّة.. "يشكّل اشتغالي ضمن المشاريع المقامة بالمغرب، اليوم، نسبة 95% من أداء شركتِي.. بعدما لم تكن تمثّل غير10% من الأوراش التي تكلّفت بها سنة 2000.. وينصب العمل على تصدير الرخام نحو المغرب مع التعريف بالمرمر المغربي وسط إيطاليا، وذات أعمال التصدير نقوم بها نحو أسواق الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وبلجيكا والمملكة المتحدَة البريطَانيّة.. وأحيانا نقوم بمعاودة تصنيع الرخام المغربي قبل توريده من جديد صوب مشاريع كبرى تنشأ بالوطن" يورد يوسف السباعي لهسبريس.

واستطاعت شركة السباعي نسج علاقات مع كبريات المشتغلين العامليّين ضمن مجال الرخام والكرَانِيت، حيث منهم من تنقل بمعيّته صوب مقالع المرمر المغربيّة بكل من صفرو وخريبكة وأكادير وخنيفرة وتيفلت.. كما أفلح في جعل شركائه الدوليّين ينخرطون بمشاريع تشييد مقامَة، الآن، على مستوَى البنيات المرفئيّة بالمملكَة.

الإسلام ولقاء البَابا

يزاوج يوسف السياعي، منذ سنة 1990، بين توجّهه للاشتغال ضمن مجال الهندسة المعماريّة وطموحاته الجمعويّة التي أخذت تبرز لديه منذ أولى احتكاكاته بتجارب تنظيمات مدنيّة وسط حي التقدّم الرباطيّ.. فقد ساهم في تأسيس "اتحاد الهيئات الإسلاميّة بإيطاليا" الذي يهدف إلى التعريف بالإسلام وكذا الاهتمام بقضايا الجالية المسلمة في البلد، وافتتاح مراكز إسلاميّة وسطه.. حيث يلمّ الاتحاد حاليا ما يعادل الـ150 من المساجد والمراكز الإسلامية والجمعيات.

"الجالية المغربية هي العمود الإساسي للجالية المسلمة بإيطاليا، واتحاد الهيئات الإسلامية بإيطاليا يعمل على استقبل مرشدين وعلماء من عموم العالم الإسلامي، ومن المغرب بصفة خاصة.. حيث أشغل الحين منصب نائب رئيس الاتحاد إلى جوار اختصاصي في إلقاء محاضرات تعرف بالدين الإسلامي وثقافته بواسطة اللغة الإيطالية، كما أشتغل على التعريف بمشاكل الجاليات المسلمة لإيجاد حلول لها على مستوى الاندماج، وأيضا إرساء حوار الثقافات والديانات عبر محاضرتين شهريتين ألقيمهما بالجامعة ومقرات البلديات والفضاءات العمومية والمراكز الإسلاميّة".

وحظي يوسف السباعي، بصفته الجمعويّة، بلقاءين خصّهما به بابا الفاتيكَان فرَانسِيكُو الأوّل خلال العام 2014، وكان آخر الموعدين أمام حضور من 200 فرد ينتمون لعوالم السياسة والعمل الجمعوي والبحث الأكاديمي .. حيث أقدم كبير الكنيسة على تقديم الثناء تجاه العمل الكبير الذي يقوم به نفس المغربيّ من أجل إرساء ثقافة الحوار والبحث عن سبل تحقيق التعايش الأفضل بين الجميع.

"الإهتمام بحوار الديانات أصبح من بين الأنشطة المهمة لديّ لأن الجالية المسلمة، خاصة المغربية، تعيش وضعا صعبا مع توالي الأحداث العالميّة إلى جوار تحركات الأحزاب اليمينيّة المتطرفة في إيطاليا في محاولتها تشويه الإسلام وصور الأجانب.. حيث أعتبر أن أدوار المثقفين والمسؤولين عن مشاكل الجالية أصبح كبيرا وينبغي أن يتم تحمّل مسؤولية من قِبل المجتمع المدني إلى جوار المسؤولين السياسيين الإيطاليين.. ذلك أنّ الحاجة ماسّة لإبراز حقيقة الإسلام وقيم التسامح التي يحملها، والمغرب يتمتع بصورة إيجابية على المستوى العملي مع رجال الأعمال وكذا من خلال تجربته في حوارات الأديان، متحولا إلى مثال في تحقيق التعايش، ولا أجد صعوبة في إبراز ذلك" يقول السباعي.

الحاجة للكفاءة

يرَى يوسف السباعي أن هجرة المغاربة صوب العالم ينبغي أن تكون مقرونَة بالتوفر على كفاءَة.. ويورد في هذا الإطار: "إيطاليا، كما هو حال عدد من البلدان عبر المعمور، تحتاج كفاءات لاستقبالها بما يليق به وضعها"، ويضيف: "أنصح الشباب الحالمين بمعانقة الهجرة بالتفكير في توجهات تفيدهم واختيار تخصصات تمكنهم من العمل بالمغرب وخارجه.. مع اللجوء لسوق الشغل عقب التخرج بعيدا عن أي اتكال على الآخرين".

كما يضيف ذات المغربيّ ـ الإيطاليّ: "ينبغِي الوعي جيّدا بأنّ عددا من الإيطاليّين أصبحوا يهاجرون بلدهم ويقصدون المغرب، ومن بين هؤلاء أصحاب رساميل حولوا أشغالهم واستثماراتهم صوب بلدنَا.. تماما كما أعرف عددا من أفراد الجاليَّة قضوا ما يزيد عن 20 عاما من الغربة خارج الوطن، مفلحين في مراكمة اموال وتجارب، وبعدها عاودوا قصد المغرب من أجل تحقيق النجاحات الحقيقيّة التي عاشُوا يحلمُون بها".

عن موقع هسبريس

الصحافة والهجرة

مختارات

Google+ Google+