في خضم الجدل المتصاعد في أستراليا حول مستقبل سياسة الهجرة، وبعد طرح حزب «أمة واحدة» خطة لخفض أعداد المهاجرين المؤقتين بأكثر من 750 ألف شخص خلال ثلاث سنوات، يأتي تحليل للباحث “آلان غاملن” ليقدم مقاربة مختلفة عن الثنائية التي تطبع النقاش السياسي الراهن: الهجرة ليست أزمة ينبغي احتواؤها بأي ثمن، وليست في المقابل علاجا سحريا لمشكلات سوق العمل والشيخوخة السكانية والنمو الاقتصادي. ويجادل التحليل، المنشور في «Eurasia Review»، بأن القضية الأساسية لا تكمن في الهجرة ذاتها، وإنما في قدرة الدول على إدارتها، وربط سياساتها في هذا المجال بالسكن والبنية التحتية وسوق العمل والخدمات العامة وحماية المهاجرين.
ويرى غاملن، أستاذ ومدير مركز الهجرة في الجامعة الوطنية الأسترالية، في التحليل المنشور حديثا، أن السؤال الأكثر جدوى بالنسبة للحكومات والمجتمعات ليس ما إذا كانت الهجرة «جيدة» أو «سيئة»، وإنما ما إذا كانت تُدار بصورة جيدة، داعيا إلى تجاوز هذا الاستقطاب، والنظر إلى الهجرة باعتبارها ظاهرة دائمة في عالم مترابط.
الهجرة ظاهرة متعددة الدوافع
ينطلق التحليل من رفض اختزال الهجرة في البحث عن أجور أعلى. فالأفراد ينتقلون عبر الحدود من أجل العمل والتعليم ولمّ شمل الأسر والأمن وتحسين ظروف الحياة، كما يمكن أن تكون قرارات الهجرة مرتبطة بشبكات الأسرة والأصدقاء والجاليات القائمة في بلدان المقصد.
ويلفت غاملن إلى أن عوامل تاريخية، من بينها الروابط الاستعمارية واللغات المشتركة والعلاقات التجارية، ساهمت في تشكيل ممرات هجرة تستمر عبر أجيال. كما تلعب الجامعات وأرباب العمل ووكالات التوظيف دورا مباشرا في تحفيز التنقل الدولي.
وبذلك، فإن التعامل مع «الهجرة» باعتبارها سياسة واحدة أو ظاهرة متجانسة يخفي اختلافا كبيرا بين هجرة العمال والطلاب ولمّ شمل الأسر والهجرة الإنسانية وغيرها من أنماط التنقل.
مكاسب للمهاجرين وضغوط على بلدان المنشأ
يسجل التحليل أن الهجرة يمكن أن تحدث تحولا كبيرا في مستوى معيشة الأفراد، خصوصا عندما ينتقل الأشخاص من اقتصادات منخفضة الدخل إلى اقتصادات أكثر ثراء. كما قد تتيح لهم فرصا أفضل في التعليم والرعاية الصحية والأمن والحريات.
لكن هذه المكاسب تقابلها مخاطر. فالمهاجرون، ولا سيما العمال المؤقتون، يمكن أن يصبحوا عرضة للاستغلال من جانب أصحاب العمل أو وكلاء التوظيف غير النزيهين أو شبكات التهريب والاتجار بالبشر. وتزداد هشاشتهم عندما يكون وضعهم القانوني مرتبطا ارتباطا وثيقا بصاحب عمل محدد.
أما بلدان المنشأ، فقد تواجه خسارة جزء من مواردها البشرية، خصوصا الأطباء والممرضين والمهندسين وغيرهم من أصحاب الكفاءات. وقد يؤدي ذلك إلى إفراغ بعض المناطق الريفية من السكان، فضلا عن الآثار الاجتماعية الناتجة عن انفصال أفراد الأسر لفترات طويلة.
في المقابل، توفر الهجرة مكاسب مهمة لبلدان المنشأ عبر تحويلات المهاجرين والاستثمارات ونقل المعرفة والخبرات وإنشاء شبكات تجارية ومهنية عابرة للحدود. ويخلص التحليل إلى أن الهجرة تنتج في الوقت نفسه مخاطر ومكاسب، وأن السياسة الجادة لا يمكن أن تنطلق من تجاهل أحد جانبي المعادلة.
ضغط الهجرة لا يفسر وحده أزمات السكن والخدمات
يتوقف غاملن عند واحدة من أكثر القضايا حضورا في النقاشات السياسية المعاصرة، وهي تحميل الهجرة مسؤولية الضغوط التي تعرفها المجتمعات المستقبلة، خصوصا في مجال السكن والبنية التحتية والخدمات العامة.
ويقر التحليل بأن النمو السكاني السريع يمكن أن يزيد الطلب على السكن والنقل والمدارس والرعاية الصحية، كما يمكن لبرامج الهجرة المؤقتة سيئة التصميم أن تخلق فرصا للاستغلال.
لكنه يحذر من الانتقال من الاعتراف بهذه الضغوط إلى اعتبار المهاجرين سببا مباشرا لكل المشكلات. فأزمة السكن، مثلا، ترتبط أيضا بالعرض العقاري والتخطيط والاستثمار والبنية التحتية، بينما تتأثر نتائج سوق العمل بمستويات الأجور والتنظيم والرقابة، كما يعتمد الاندماج والتماسك الاجتماعي على قدرة المؤسسات والمجتمعات على إدماج الوافدين في المؤسسات المشتركة.
ومن ثم، فإن الهجرة تتفاعل مع هذه الأزمات، لكنها لا يمكن أن تحل محلها كتفسير وحيد.
ضرورة التمييز بين الهجرة واللجوء والنزوح
ينبه التحليل كذلك إلى أن الخطاب العام يقدم صورة مضللة عن المهاجرين عندما يضع مختلف أشكال التنقل الدولي في سلة واحدة.
فأغلب المهاجرين الدوليين ليسوا لاجئين، وغالبية التنقلات تتم عبر مسارات عادية مرتبطة بالعمل أو الأسرة أو الدراسة أو أنماط الحياة. وفي الوقت نفسه، يظل النزوح القسري مشكلة بالغة الخطورة، في ظل الحروب والاضطرابات السياسية، إضافة إلى أشكال جديدة من النزوح المرتبطة بتغير المناخ والتي لم تُصمم لها منظومة اللجوء الحالية بالضرورة.
ويعتبر غاملن أن هذا التمييز ضروري أيضا لفهم السياسات الأسترالية، التي تجمع بين برنامج دائم محدود وبرنامج إنساني، وتدفقات أكبر من المهاجرين المؤقتين، مثل الطلاب والعمال المهرة والمشاركين في برامج العمل والعطلات.
من ضبط الحدود إلى إدارة منظومة الهجرة
الرسالة الأساسية للتحليل هي أن إدارة الهجرة لا ينبغي أن تتوقف عند الحدود. فالدول المصدرة والمستقبلة ودول العبور تشكل أجزاء مترابطة من منظومة واحدة، ما يجعل التعاون بينها ضروريا.
ويضع التحليل مجموعة من الأولويات العملية، في مقدمتها بناء سياسات تقوم على معلومات دقيقة حول أعداد الوافدين والمغادرين، ودوافع التنقل، وما يحدث للمهاجرين بعد الوصول. كما يدعو إلى قواعد واضحة وقابلة للتنفيذ، وحماية العمال المهاجرين من الاستغلال، وتنظيم عمليات الاستقدام، وتسريع الاعتراف بالمؤهلات الأجنبية.
كما يشدد على ضرورة توفير مسارات واضحة للمهاجرين المؤقتين، سواء للعودة إلى بلدانهم أو الانتقال، عند استيفاء الشروط، إلى أوضاع قانونية أكثر استقرارا.
ويربط غاملن نجاح سياسة الهجرة بمدى تنسيقها مع سياسات الإسكان والبنية التحتية والتعليم وسوق العمل. فاستقدام العمال دون الاستعداد للزيادة السكانية ينقل تكلفة سوء التخطيط إلى المهاجرين والسكان المحليين على حد سواء.
نحو هجرة آمنة ومنظمة وقابلة للإدارة
لا يدعو التحليل إلى حدود مفتوحة، كما لا يرى في إغلاق الحدود حلا مستداما. وبدل الخيارين المتطرفين، يقترح إدارة حركة الأشخاص على أساس أن تكون الهجرة «آمنة ومنظمة ومنتظمة»، ضمن مؤسسات قادرة على الموازنة بين حرية الأفراد والاحتياجات الاقتصادية والتماسك الاجتماعي.
وتكمن أهمية هذا الطرح في نقله النقاش من سؤال معياري مجرد حول ما إذا كانت الهجرة خيرا أو شرا إلى سؤال حوكمة أكثر قابلية للقياس: هل تمتلك الدولة البيانات والقواعد والمؤسسات والتنسيق المطلوب لإدارة الهجرة؟
توصيات التحليل
ينتهي التحليل إلى أن التعامل الرشيد مع الهجرة يتطلب أولا بناء قاعدة معلومات دقيقة تسمح بفهم حركة الدخول والخروج ودوافعها ونتائجها؛ ووضع قواعد واضحة وقابلة للإنفاذ؛ وحماية العمال المهاجرين من الاستغلال؛ وتنظيم وكالات التوظيف؛ وتسريع الاعتراف بالمؤهلات الأجنبية؛ وإقرار مسارات واضحة للهجرة المؤقتة؛ وربط سياسة الهجرة بسياسات السكن والبنية التحتية والتعليم وسوق العمل؛ وتعزيز التعاون بين دول المنشأ والعبور والمقصد لمكافحة الاتجار والتهريب وحماية المهاجرين. والخلاصة السياسية للتحليل أن الهجرة لا ينبغي أن تُعامل كـ«أزمة» ينبغي وقفها، ولا كـ«حل شامل» للمشكلات الاقتصادية والديموغرافية، وإنما كظاهرة دائمة تتطلب مؤسسات قادرة على إدارتها بكفاءة.









