كشفت دراسة جينية جديدة أن الهجرة من السويد إلى فنلندا خلال أواخر العصور الوسطى أحدثت تحولا طويل الأمد في التركيبة السكانية للمناطق الساحلية جنوب غربي البلاد، بينما حافظت المناطق الداخلية على قدر كبير من الاستمرارية السكانية لما يقرب من ألف عام. وتقدم الدراسة، المنشورة في مجلة «Genome Biology» في 15 سبتمبر 2026، قراءة تجمع بين الحمض النووي القديم والمعطيات الأثرية والتاريخية لفهم حركة السكان في منطقة البلطيق.
تشابه قديم وتحول ساحلي
حلل فريق بحثي بقيادة جامعة توركو جينومات 34 فردا من جنوب غربي فنلندا، عاشوا خلال الفترة الممتدة تقريبا بين العصر الحديدي المتأخر وبدايات العصور الوسطى، مع الاستعانة ببيانات جينية من سكان فنلندا في العصر الحديث. وأظهرت النتائج أن سكان المناطق الساحلية والداخلية كانوا متقاربين جينيا خلال الفترة الممتدة بين 1050 و1250 ميلادية، رغم الاختلافات الاقتصادية والثقافية بين المنطقتين.
لكن المسارين السكانيين اختلفا لاحقا. فقد أظهرت المنطقة الداخلية استمرارية جينية تمتد إلى نحو ألف عام، في حين شهد السكان الساحليون تحولا واضحا بعد العصور الوسطى. ويقدر الباحثون أن نسبة الموروث الجيني المرتبط بالمصادر الاسكندنافية لدى سكان الساحل المعاصرين تزيد بنحو 25 نقطة مئوية مقارنة بالسكان الساحليين في العصور الوسطى. ويربط الباحثون هذا التحول، مع أدلة تاريخية وأثرية أخرى، بتزايد الهجرة من السويد، خصوصا منذ أواخر القرن الثالث عشر وبدايات القرن الرابع عشر.
الهجرة ضمن شبكة أوسع
لا تحصر الدراسة حركة السكان في العلاقة بين السويد وفنلندا. فقد كشفت المقارنة الجينية عن روابط بين سكان فنلندا في العصور الوسطى وأفراد من مناطق مختلفة حول بحر البلطيق، بينها السويد وجزيرة غوتلاند ولاتفيا وروسيا والنرويج والدنمارك. وكانت الروابط مع غوتلاند، التي شكلت مركزا مهما للتبادل التجاري عبر البلطيق، من بين الأوضح في البيانات التي حللها الباحثون.
وتشير النتائج بذلك إلى أن فنلندا لم تكن منطقة معزولة في العصور الوسطى، وإنما كانت جزءا من شبكات إقليمية لحركة الأشخاص والتجارة والتبادل الثقافي. كما أظهرت الدراسة أن حجم السكان في المنطقة شهد نموا ملحوظا خلال الفترة المدروسة، وهو ما ينسجم، وفق الباحثين، مع توسع النشاط الزراعي وتحسن الظروف المناخية.
الهجرة كعامل في تشكيل المجتمعات
تقدم الدراسة مثالا علميا على أن آثار الهجرة يمكن أن تمتد إلى ما هو أبعد من التحولات الاقتصادية أو الثقافية المباشرة، لتترك بصمتها في البنية السكانية عبر أجيال متعاقبة. وفي الحالة الفنلندية، سمحت المقارنة بين الساحل والداخل بتحديد مسارين مختلفين: استمرارية سكانية طويلة في الداخل، وتحول ديموغرافي وجيني في المناطق الساحلية ارتبط بحركة السكان من السويد.
وتكتسب هذه النتائج أهمية أوسع لدراسة تاريخ الهجرة، لأنها توضح قدرة التحركات السكانية على إعادة تشكيل المجتمعات المستقبلة بصورة تدريجية، مع بقاء آثارها قابلة للرصد بعد قرون باستخدام أدوات علم الوراثة القديمة إلى جانب المصادر التاريخية والأثرية.









