محمد لوباني, اخصائي نفسي وكاتب, فرنسا.
ذ. محمد لوباني، المعالج النفسي الذي قضى أكثر من خمسة وثلاثين عاما منصتا لآلام الآخرين ومخاوفهم، يقرر اليوم أن يقلب الأدوار؛ فبدلا من أن يستمع، ها هو يتحدث، وبدلا من أن يحلل عقد الآخرين، شرع في تفكيك خيوط ذاكرته في كتابه الأول الصادر بالفرنسية بعنوان: “مولود عام 1955”.
غربة مبكرة
لم يكن اختيار عام 1955 عنوانا للكتاب مجرد تأريخ لتاريخ الميلاد، بل هو رمز للحظة فارقة في تاريخ المغرب عشية الاستقلال.
يتذكر لوباني في بودكاست “لقاء مع سهيلة الريكي” طفولة صعبة بسبب ظروف اجتماعية تطلبت إيداع طفل في السادسة من عمره بالأقسام الداخلية بعيدا عن حضن الأسرة بطنجة، وفي دار الشاوي والفنيدق، تعلم لوباني معنى الاغتراب الداخلي قبل أن يعرف معنى الهجرة، مما صقل روحه وجعل هجرته لاحقا إلى فرنسا عام 1979 تبدو وكأنها مسار طبيعي لإنسان اعتاد الرحيل والاعتماد على النفس منذ نعومة أظفاره.
من صمت العيادة إلى بوح الورق
سنوات طويلة قضاها لوباني خلف مكتبه كمعالج نفسي، يمتص أوجاع الناس، لكن جائحة كوفيد-19 وما رافقها من حجر صحي وخوف من الموت، إلى جانب فقدان والدته، كانت الشرارة التي فجرت بركان الكتابة بداخله.
يقول لوباني إن الكتابة كانت تحررا من ثقل صمت طويل، ونوعا من العلاج الذاتي الذي سمح له باكتشاف دوافع خفية لقرارات اتخذها في الماضي ولم يكن يدرك أسبابها الحقيقية وقتها.
لقد تحولت الكتابة من مجرد سرد للأحداث إلى مجهر ينبش في الذاكرة البصرية، ليعيد رسم مشاهد وذكريات قديمة بدقة مذهلة، وكأنه يراها الآن أمام عينيه.
إرث عائلي بين هويتين
يُعد هذا الكتاب رسالة حب واعتذار لأبنائه الذين نشأوا في فرنسا بهوية مزدوجة وأم فرنسية، يعترف لوباني بأنه ظل لسنوات يؤجل حكي قصته لهم، حتى وجد في الكتاب وسيلة لتعويض ذاك الصمت، ولينقل لهم رائحة المغرب وتفاصيل حياة أجدادهم التي كانت تغلفها الظلال والغموض، لقد حرص على الكتابة بدون أقنعة، صادقا في أدق التفاصيل، لكي يمنح أبناءه جذورا صلبة في مهب التعددية الثقافية التي يعيشونها.
الكتابة كفعل مقاومة للفناء
يؤمن محمد لوباني بأن لكل إنسان قصة تستحق أن تُحكى، وأن الكتابة هي السلاح الوحيد الذي نملكه لمواجهة الموت والفناء. هي ذاك “الأثر” الذي نتركه خلفنا تماما كما ترك الفراعنة ورق البردي، ليبقى شاهدا على أننا مررنا من هنا. وبالرغم من أن الكتاب كُتب بالفرنسية، إلا أن نبضه مغربي خالص، وهو ما دفع لوباني للتمني بأن يُترجم إلى العربية، بل وحتى اليابانية، لأن “قصته هي قصة الإنسان” في كل زمان ومكان.
إن “مولود عام 1955” ليس مجرد سيرة ذاتية، بل هو دعوة لكل واحد منا لينبش في ذاكرته ويكسر صمته، وتذكير بأننا في النهاية لسنا سوى قصص، وأن القصة الحقيقية تبدأ حين نملك الشجاعة لنحكيها بصدق، بدموعها وضحكاتها، بظلالها وأضواءها.
أنقر هنا لمتابعة باقي حلقات بودكاست “لقاء مع سهيلة الريكي”









