صدر مؤخرا في مجموعة مجلس الجالية المغربية بالخارج 2026، عن دار النشر مها وبدعم من شركاء أخرين، مؤلف تصويري بعنوان “عندما يحكي المحيط الأطلسي تاريخ المغرب” للمؤرخة والجامعية ليلى مزيان.
الكتاب الواقع في 289 صفحة يشكل مرجعا مهما للوثائق التاريخية والخرائط والصور الفوتوغرافية التي حاولت من خلالها الأكاديمية، ليلى مزيان، تأثيث التاريخ البحري للمغرب منذ العصور القديمة، وتسليط الضوء على مختلف الحقب التي عاشتها الواجهة الأطلسية للمملكة، واضعة بذلك إطارا تاريخيا يمكن من الوقوف على مختلف أوجه العلاقة التي ربطت المغرب بالمحيط الأطلسي على مر التاريخ، سواء كامتداد تجاري وجيوسياسي أو كفضاء للحرب وتأكيد السيادة والحوار مع الاخر.
الساحل الأطلسي في العصور القديمة والوسطى
إضافة إلى المقدمة والخاتمة يقع الكتاب في أربعة فصول، حيث يقدم الفصل الأول “المحيط الأطلسي المغربي منذ بداية الإبحار: التبادلات والصراعات وبداية الحركيات”، نظرة عامة عن العصور القديمة لفهم تشكل ملامح ثقافة بحرية عريقة جعلت من المغرب واجهة رئيسية وسط الديناميات الاقتصادية والثقافية لتلك الحقبة التاريخية، وهو ما اظهرته الاكتشافات الأثرية في المدن الأطلسية القديمة ك”ليكسوس” و”تينجيس”
في الفصل الثاني يبرز الكتاب “تأكيد التوجه البحري للدولة المغربية في العصر الوسيط”، بحيث تمثل هذه المرحلة الفترة التي تم فيها وضع أسس ساحل مغربي أطلسي منظم ومسيطر عليه”، بحيث أصبح المحيط جسرا يربط بين الأندلس والمغرب وهو ما شكل موضوع اهتمام للعديد من الجغرافيين والأدباء الذين جعلوا منه مجالا للتفكير وأيضا مسرحا لنسج الأساطير.
من جهة أخرى فقد شكل الساحل الأطلسي في العصر الوسيط أحد عناصر القوة للإمبراطورية الموحدية، ليصبح مع انهيار الإمبراطورية وتلاشي العمق الأندلسي، منطويا على نفسه تدريجيا، ومتنازعا عليه، “وعلى الرغم من تفوق السفن البرتغالية في تلك الفترة “فإن ذلك لا يجب أن يحجب مسألة أساسية هي أن الوضع لم يلغي التوجه البحري للمغرب، بل قام بتحويله لتتكيف موانئه مع الظروف الجديدة” نقرأ في المؤلف.
فضاء استراتيجي في الماضي والحاضر
من هذا المنطلق، جاء الفصل الثالث بعنوان “الموانئ الأطلسية في المغرب خلال الفترة الحديثة بين الحرب والتجارة” ليعيد رسم ظهور نشاط بحري طبع صورة المغرب خلال نهاية القرن السابع عشر بالموازاة مع تسجيل التفوق البحري الإيبيري في الساحل الأطلسي المغرب وانحصار أفق المناورة أمام المغرب. يتعلق الأمر بنشاط القراصنة في الموانئ المغربية كجواب على اختلال توازن القوى، وكأداة بديلة للاندماج الاقتصادي في فضاء بحري سيطرت عليه الأساطيل الأوروبية. كما برزت أنشطة مرتبطة بالبحر وصناعة السفن في مدن أطلسية مثل سلا ومزاغان؛ وشخصيات بحرية مثل مراد الرايس وابن عائشة التي طبعت التاريخ البحري والدبلوماسي للمغرب سعيا إلى الحفاظ على السيادة والاستقلالية في محيط دولي مطبوع بالصراع بين عدة قوى.
هذه الرحلة الأطلسية العابرة للأزمنة التي يقترحها المؤلف، تخلص في الفصل الرابع المعنون ب “الموانئ الأطلسية المغربية في القرنين العشرين والواحد والعشرين: من التبعية الاستعمارية إلى الانفتاح البحري الدولي”، إلى نقطة جوهرية، هي أن شبكة الموانئ التي تم إنشاؤها منذ الفترة الاستعمارية وتعززت بعد الاستقلال ومازال تطورها متواصلا إلى اليوم، تمثل في الواقع امتدادا لتاريخ بحري عريق وتعيد تنشيط وظيفتها القديمة كمفترق طرق للتبادل التجاري على الطرق البحرية الكبرى.
وكما ترى المؤلفة في خاتمة الكتاب فإن المغرب بإعادة ربط ساحله الأطلسي كفضاء استراتيجي، يسعى إلى إحياء تاريخ متجذر بعمق في الزمن الطويل، بحيث “يستعيد ميناء طنجة المتوسط دوره كملتقى في المضيق، بينما يفتح ميناء الداخلة الأطلسي أفقا جديدا في جنوب المحيط الأطلسي، كامتداد للطرق البحرية القديمة نحو إفريقيا والأمريكتين”، في استمرارية الطرق الأطلسية التي تربط المغرب بالعالم الأفريقي منذ قرون.
يذكر أن دعم مجلس الجالية المغربية بالخارج لهذا المؤلف، كما توضحه المقدمة، يأتي ضمن اختصاصاته في تعزيز الهوية المغربية ونشر المعرفة التاريخية في صفوف مغاربة العالم خاصة الأجيال الجديدة”.









