حذرت دراسة بحثية حديثة صدرت أمس الثلاثاء 8 شتنبر، عن مؤسسة E3G من أن التحول العالمي نحو اقتصاد أقل اعتمادا على النفط قد تكون له تداعيات اقتصادية واجتماعية وأمنية تتجاوز أسواق الطاقة، من بينها احتمال ارتفاع ضغوط الهجرة والنزوح في بعض الدول المنتجة للنفط، خصوصا إذا لم تتم إدارة المرحلة الانتقالية بصورة تدريجية ومنظمة.
وتنطلق دراسة E3G وهي مؤسسة بحثية أوروبية مستقلة المعنونة بـ: Playing the Oil Endgame من أن المخاطر المرتبطة بالنفط قد تتغير طبيعتها خلال السنوات المقبلة. فبدل أن يكون القلق الأساسي مرتبطا بنقص الإمدادات، قد يصبح تراجع الطلب على النفط وعدم استقراره مصدرا متزايدا للضغط على الاقتصادات التي تعتمد بدرجة كبيرة على العائدات النفطية.
الضغوط المالية قد تتحول إلى ضغوط هجرة
بحسب الدراسة، فإن تراجع الإيرادات النفطية يمكن أن ينعكس على المالية العمومية وقدرة الحكومات على تمويل الخدمات العامة وفرص العمل والدعم الاجتماعي. ومع استمرار الضغوط المالية، قد تظهر تداعيات اجتماعية أوسع، تبدأ في بعض الحالات بالنزوح الداخلي والهجرة نحو دول أو مناطق مجاورة، وقد تتطور في حالات أخرى إلى حركات عبور للحدود، بما في ذلك نحو أوروبا.
وتشير E3G إلى أن العوامل المناخية يمكن أن تزيد من حدة هذه الضغوط، من خلال تأثير الجفاف والفيضانات والإجهاد المائي وتدهور سبل العيش والأمن الغذائي على قدرة السكان والمجتمعات المحلية على الاستقرار. وبذلك، لا تنظر الدراسة إلى الهجرة باعتبارها نتيجة مباشرة وحتمية للانتقال الطاقي، وإنما باعتبارها أحد التداعيات المحتملة عندما تتزامن الضغوط الاقتصادية والمالية مع ضعف القدرة على التكيف.
وتستند الدراسة، في هذا السياق، إلى تجربة فنزويلا التي شهدت أزمة اقتصادية ومؤسساتية عميقة عقب انهيار أسعار النفط سنة 2014، وما ترتب عنها من خروج أكثر من سبعة ملايين شخص من البلاد، وفق المعطيات التي تستشهد بها الدراسة. وترى E3G أن هذه التجربة توضح كيف يمكن للأزمة الاقتصادية المرتبطة بالعائدات النفطية أن تتحول إلى أزمة نزوح ذات تداعيات إقليمية واسعة.
التحول الطاقي ومخاطر عدم الاستقرار
تلفت الدراسة إلى أن آثار التحول الطاقي لا تتوقف عند حدود الدول المنتجة، إذ يمكن لعدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في بعض هذه الدول أن يمتد إلى محيطها الإقليمي عبر الهجرة والاضطرابات الاقتصادية والضغوط الأمنية.
وتصنف E3G عددا من الدول المنتجة ضمن ما تسميه «منطقة المخاطر»، استنادا إلى مجموعة من العوامل، من بينها الاعتماد على عائدات المحروقات، والضغوط المالية، والبطالة، والمخاطر المناخية. وتورد الدراسة، ضمن أمثلتها، دولا من مناطق مختلفة، من بينها الجزائر، في إطار بحثها الأوسع في هشاشة الاقتصادات المنتجة للنفط وآثار التحول العالمي في الطلب على المحروقات.
وتؤكد الدراسة أن الخطر لا يرتبط بسرعة التحول وحدها، وإنما بالفجوة بين الضغوط التي يفرضها تغير سوق الطاقة وقدرة الدول على التكيف معها اقتصاديا وماليا ومؤسساتيا. كما تشير إلى أن التحول غير المنظم يمكن أن يؤدي إلى أزمات مالية متكررة، في حين قد يتيح وجود مسارات اقتصادية بديلة للدول المنتجة إدارة المرحلة الانتقالية بصورة أكثر استقرارا.
دعم التكيف لتقليص تداعيات الهجرة
تدعو E3G إلى التعامل مع المرحلة الانتقالية باعتبارها قضية تتجاوز أمن الطاقة، لتشمل الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للدول المنتجة. وتقترح الدراسة مجموعة من الأدوات، من بينها تنويع الاقتصادات، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، وإصلاح أنظمة الدعم، وتحسين الشفافية المالية، وتطوير آليات للاستقرار المالي.
وتربط الدراسة بين نجاح هذه الإجراءات والقدرة على الحد من التداعيات العابرة للحدود، بما فيها الهجرة. وترى أن مساعدة الدول المنتجة على بناء مسارات اقتصادية بديلة لا ينبغي النظر إليها فقط باعتبارها مساعدة تنموية، وإنما أيضا كإجراء وقائي يمكن أن يحد من مخاطر عدم الاستقرار والهجرة والاضطرابات الإقليمية.
ولفحص المسارات المحتملة للتحول، أجرت E3G محاكاة شارك فيها أكثر من مئة مشارك من الحكومات والمؤسسات الدولية والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني، وشملت سيناريوهات تمتد بين عامي 2028 و2040. وتخلص الدراسة إلى أن وجود بدائل اقتصادية وتمويل للتحول واستثمارات في التنويع يمكن أن يقلل من احتمالات التحول المضطرب، من دون أن تتنبأ بمسار واحد حتمي للمستقبل.
وبذلك تضع الدراسة الهجرة ضمن مجموعة أوسع من التداعيات المحتملة للتحول في النظام الطاقي العالمي، مؤكدة أن طريقة إدارة هذا التحول، وقدرة الدول المنتجة على تنويع اقتصاداتها والتكيف مع تراجع الاعتماد على النفط، ستكون عوامل أساسية في تحديد حجم آثاره الاجتماعية والإقليمية.









