كشفت أطروحة دكتوراه حديثة بجامعة إيراسموس روتردام الهولندية عن تفاوت في المعاملة القضائية بين الأشخاص ذوي الخلفية المهاجرة وغير المهاجرين، مشيرة إلى أن ذوي الأصول المغربية كانوا من بين الفئات الأكثر تأثرا ببعض أوجه هذا التفاوت، ولا سيما في قرارات إحالة القضايا إلى المحاكم وحفظها.
وتوصلت الباحثة فاطمة سلجان بالوت (Fatma Selcen Palut) إلى هذه النتائج في أطروحتها المعنونة «العوامل الطاردة والجاذبة في تجارب المهاجرين» (Push and pull factors in migrant experiences)، المنشورة في فاتح أكتوبر 2026، والتي تتناول تجارب الهجرة والاندماج في أوروبا من خلال ثلاثة أبحاث مستقلة تجمع بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والقضائية.
تفاوت في القرارات القضائية يمس ذوي الأصول المغربية
خصصت الباحثة أحد فصول الأطروحة لدراسة آثار إصلاح أدخله النظام القضائي الهولندي سنة 2008، أتاح للنيابة العامة إصدار أوامر عقابية في بعض القضايا الجنائية دون إحالتها بالضرورة إلى قاضٍ.
واعتمد البحث على بيانات إدارية تشمل أكثر من 1.8 مليون قضية جنائية خلال الفترة الممتدة من 2004 إلى 2017، وقارن نتائج الإجراءات القضائية قبل الإصلاح وبعده بالنسبة إلى الأشخاص ذوي الخلفية المهاجرة وغير المهاجرين.
وأظهرت النتائج أن القضايا المتعلقة بأشخاص من أصول مهاجرة كانت أقل عرضة للحفظ، وأكثر احتمالاً للإحالة إلى المحاكم مقارنة بغير المهاجرين، مع بروز هذا التفاوت بصورة خاصة لدى الأشخاص من أصول مغربية.
وفي المقابل، سجلت الدراسة أن الأشخاص ذوي الخلفية المهاجرة كانوا أقل عرضة لعقوبات السجن، وأكثر احتمالاً لتلقي عقوبات أخف، مثل الغرامات أو سحب رخص السياقة.
وخلصت الباحثة إلى أن توسيع السلطة التقديرية للنيابة العامة قد يرتبط بزيادة التفاوت في المعاملة خلال المراحل الأولى من الإجراءات، حتى عندما تتراجع الفوارق في شدة العقوبات النهائية.
دور مؤسسات بلد المنشأ في الاندماج
تناول فصل آخر من الأطروحة تأثير الروابط المؤسسية مع بلد المنشأ في اندماج المهاجرين، من خلال دراسة حالة الجالية التركية في هولندا، مع التركيز على المساجد الممولة من الدولة التركية.
وقارنت الباحثة بين أفراد الجيل الثاني من أصول تركية يقيمون بالقرب من هذه المساجد، وآخرين يعيشون بالقرب من مساجد تركية لا تتلقى التمويل الحكومي نفسه، مستعينة ببيانات إدارية تتعلق بإتقان اللغة الهولندية واختيار المدارس والشركاء.
وأظهرت النتائج ارتباط السكن بالقرب من المساجد الممولة من الدولة التركية بمستويات أضعف في إتقان الهولندية، واحتمال أكبر للالتحاق بمدارس تضم نسباً مرتفعة من التلاميذ ذوي الأصول التركية، دون العثور على ارتباط واضح باختيار الشريك.
وأكدت الباحثة أن هذه النتائج لا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة، لكنها تشير إلى احتمال تأثير السياسات التي تنفذها دول المنشأ عبر مؤسساتها الدينية في بعض جوانب الاندماج الاجتماعي.
العوائد الاقتصادية للهجرة على المدى الطويل
بحثت الأطروحة كذلك النتائج الاقتصادية لهجرة العمال الأتراك إلى أوروبا خلال الفترة من 1960 إلى 1974، مقارنة بمن انتقلوا من المناطق الريفية إلى المدن التركية الكبرى، وبأفراد الأسر الذين بقوا في مناطقهم الأصلية.
واستندت الباحثة إلى بيانات دراسة «2000 أسرة»، التي تتبعت أوضاع عائلات تركية عبر أجيال وبلدان مختلفة، بهدف مقارنة المكاسب الاقتصادية للهجرة الدولية والداخلية.
وخلص التحليل إلى أن الانتقال إلى أوروبا لم يحقق، على المدى الطويل، مكاسب اقتصادية تفوق بالضرورة تلك التي حققها الانتقال من الأرياف التركية إلى المدن الكبرى. وأرجعت الباحثة هذه النتيجة، جزئياً، إلى محدودية الترقي المهني لبعض المهاجرين الأتراك في أوروبا، مع تسجيل نتائج أفضل نسبياً لدى المهاجرين الذين استقروا بصورة دائمة.
وتقع الأطروحة في 171 صفحة، وتجمع بين دراسة العوائد الاقتصادية للهجرة وتأثير مؤسسات بلد المنشأ ودور سياسات بلد الاستقبال في تشكيل تجارب المهاجرين وفرص اندماجهم.









