سناء سيتولي, ناشطة بيئية وكاتبة, فرنسا.
سناء سيتولي، شخصية تختزل في مسارها تقاطعات الهوية والالتزام الإنساني، هذه الناشطة البيئية القادمة من قلب الضواحي الفرنسية المنسية، تحمل معها إرثا من الذكريات وكتابا عنونته بـ “متجذرة“، أرادته صرخة في وجه التهميش واحتفاء بجذور لا تموت.
رحيل الأب وإعادة اكتشاف الجذور
لم تكن بداية كتاب سناء مجرد سرد لسيرة ذاتية، بل كانت وقوفاً عند لحظة فارقة غيرت مجرى حياتها قبل عشرين عاماً: لحظة وفاة والدها ورحلة العودة به ليدفن في مسقط رأسه بموريتانيا. تصف سناء في بودكاست لقاء مع سهيلة الريكي تلك اللحظة بأنها كانت “صدمة” و”لحظة ترميم في آن واحد، قادتها لاكتشاف جذورها الموريتانية لأول مرة.
هناك، وسط أشخاص يشبهونها، اكتشفت سناء سر اسمها الثاني الذي اختاره لها والدها وناداها به طوال حياته. هذا الاكتشاف لم يكن لغويا فحسب، بل كان إعادة اتصال بالهوية الموزعة بين فرنسا والمغرب وموريتانيا، وهو ما أعطى لنضالها البيئي لاحقا عمقا إنسانيا فريدا.
شرارة العدالة البيئية
تبدو الأمور واضحة عند سناء سيتولي، فعند سؤالها عن أسباب توجهها للنضال على الواجهة البيئية تحديدا، تشير مباشرة إلى رئة والدها التي أتعبها العمل في مصنع لصناعة السيارات بفرنسا. لقد رأت سناء كيف كان التلوث في المصانع يفتك بصحة العمال المهاجرين، دون أن يكون هناك اعتراف رسمي بكونها أمراض بيئية ناتجة عن ظروف العمل.
هذا الظلم هو ما دفعها للمساهمة في تأسيس جمعية المناخ بالضواحي مع رفيق دربها عبد العالي البدوي. لقد أرادا إيصال صوت أولئك الذين يسكنون بجوار الطرق السريعة، ويستنشقون هواءً ملوثا يرفع نسب السرطان والربو في أحيائهم. لقد كان نضال سناء يهدف إلى إثبات أن البيئة ليست ترفا، بل هي قضية “عدالة اجتماعية” تمس الحق في الحياة.
المدرسة الشعبية للمناخ
لم تكتفِ سناء بالاحتجاج، بل أسست “المدرسة الشعبية للمناخ“، وهي تجربة فريدة بدأت من فرنسا لتصل إلى ألمانيا، إيطاليا، البرازيل، والمغرب. فلسفة المدرسة تعتمد على تبسيط العلوم المعقدة لتكون متاحة للجميع، حتى للأمهات اللواتي لم يحصلن على شهادات عليا.
اللافت في تجربة سناء هو عودتها للجذور المغربية لاستلهام الحلول. تقول سناء إن أجدادنا كانوا يمارسون “الإيكولوجيا” بالفطرة في طريقة تعاملهم مع الماء والزيتون والموارد، وما تفعله المدرسة اليوم هو إعادة إحياء هذا الإرث الثقافي وتطبيقه في الواقع المعاصر. هذا الربط بين العلم والتقاليد هو ما جعل شخصيات دولية مثل لورانس توبيانا ، تعترف بخبرة سناء وتكتب مقدمة كتابها.
لن يحدث شيء بدوننا
خاضت سناء تجربة الترشح للانتخابات البرلمانية في فرنسا لإسماع صوت المهمشين. ورغم أنها لم تفز بمقعد، إلا أنها تعتبر أنها ربحت “الاعتراف”. شعارها كان واضحاً: لن يحدث شيء بعد الآن بدوننا.
اليوم، تمارس سناء “سياسة الفعل” في الميدان، وهي تؤمن أن التأثير في حياة المواطنين اليومية وتغيير سلوكياتهم تجاه البيئة قد يكون أكثر جدوى من العمل السياسي التقليدي. إنها تسعى لبناء وعي جماعي يحمي الأجيال القادمة من دفع ضريبة التلوث والتهميش.









