بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للتحويلات المالية العائلية الذي أعلنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16 يونيو من كل سنة، تم بالرباط يوم الجمعة 12 يونيو 2026، تنظيم لقاء دولي حول موضوع “التحويلات المالية من أجل صمود العالم القروي وريادة الأعمال والتشغيل” الذي أشرف عليه الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، بالتعاون مع سفارة فرنسا لدى المملكة المغربية، وبنك المغرب، ووزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، وبعثة الاتحاد الأوروبي في المملكة المغربية.
وعرف اللقاء مشاركة مؤسسات مالية وممثلين عن الحكومة وهيئات دولية وفاعلين من المجتمع المدني وهو ما يعكس قناعة مشتركة مفادها أن تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج تمثل رافعة مهمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، غير أن إمكاناتها ما تزال دون مستوى الاستفادة الممكنة منها.
التحويلات المالية من منظور تاريخي وثقافي
وفي مداخلته خلال الجلسة الافتتاحية لهذا اللقاء الدراسي، تناول رئيس مجلس الجالية المغربية بالخارج، إدريس اليزمي، موضوع التحويلات المالية من زاوية تاريخية وثقافية، مركزا على البعد الإنساني لفعل الهجرة وما يرتبط به من تحويلات، بعيدا عن المقاربات التي تقتصر على المؤشرات الاقتصادية الكلية.
واستهل رئيس المجلس مداخلته بالتذكير بالتطور اللافت الذي عرفته تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، والتي تضاعفت أكثر من ثلاث مرات منذ مطلع القرن الحالي، إذ انتقلت من 37 مليار درهم سنة 2004 إلى أكثر من 122 مليار درهم سنة 2025؛ وركزت المداخلة على سؤال جوهري يتمثل في المعنى الاجتماعي والإنساني الكامن وراء هذه الأرقام، وما تمثله في حياة الأفراد والأسر والمجتمعات المحلية؛ مبرزا في هذا الإطار، أن هذه المبالغ الإجمالية الضخمة تتكون في الواقع من مئات الآلاف من التحويلات الفردية الصغيرة، التي قد تبدو محدودة القيمة من الناحية المالية، “لكنها تؤدي دورا حاسما في دعم الأسر وتحسين ظروف عيشها، بل وفي تمويل مشاريع ومرافق يستفيد منها مجتمع محلي بأكمله”.
ولتجسيد هذا البعد الإنساني، استحضر اليزمي تجربة الفنان السوسي الحاج بلعيد، الذي تعد أغنيته “أموندو باريس” (رحلة باريس)، التي أطلقها سنة 1931، شهادة تاريخية مبكرة على العلاقة التي تربط المهاجر بأسرته ومجتمعه الأصلي، بحيث تظهر أبياتها مشاعر القلق والتساؤل التي ترافق قرار الهجرة، كما تبرز قيم التضامن تجاه الأسرة الممتدة وأبناء القرية، وتوثق مساهمة المهاجرين، منذ تلك الفترة المبكرة، في تمويل مشاريع جماعية مثل بناء المساجد والمقابر وتطوير البنيات التحتية المحلية.
وعزز اليزمي هذه القراءة التاريخية بأمثلة معاصرة، مشيرا إلى مساهمة الطلبة المغاربة في سبعينيات القرن الماضي بجزء من منحهم الدراسية لإرساله نحو أسرهم في المغرب، وإلى المهاجرين الشباب في الوقت الحاضر الذين يبادرون إلى تحويل مبالغ مالية، ولو كانت محدودة، إلى عائلاتهم بمجرد تحسن أوضاعهم المعيشية، وهي كلها مبادرات تجسد لاستمرارية ممارسات التضامن العابر للحدود بين المغاربة، بغض النظر عن قيمة المبالغ المحولة.
واستنادا إلى خاتمة قصيدة الحاج بلعيد التي تقول: “ما زالوا يعتزون بأصولهم وببساطتهم”، خلص رئيس مجلس الجالية المغربية بالخارج إلى أن التحويلات المالية لا يمكن اختزالها في بعدها المادي فقط، لأنها تعبر عن روابط التضامن التي تجمع المهاجر بأسرته ومجتمعه الأصلي، كما تسهم، في كثير من الأحيان وبشكل غير مباشر، في تنمية المناطق الأصلية.
حضور مؤسساتي وطني ودولي
يذكر أن الجلسة الافتتاحية لهذا اللقاء الدراسي الذي أدارته، المسؤولة عن التحويلات المالية والتمويل الرقمي الشامل لدى الصندوق الدولي للتنمية الزراعية بالمغرب، مريم عزيز علوي، شهدت مداخلات لمجموعة من ممثلي المؤسسات الدولية والوطنية المشاركة في هذا اللقاء، بحيث تضمنت كلمة مصورة لرئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية ، ألفارو لاريو؛ ومداخلات لكل من الكاتب العام لوزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، رضوان عراش؛ والمدير العام لبنك المغرب، عبد الرحيم بوعزة؛ والمستشار في السفارة الفرنسية في المغرب، شارل تيبو؛ ونائب رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي بالمغرب دانييل دوتو.
ويؤكد تنظيم هذا الحدث بالرباط إرادة المغرب في إدراج قضية تحويلات الجالية ضمن رؤية استراتيجية متكاملة تتجاوز مجرد تثمين التدفقات المالية؛ فالتحدي، كما صاغه مجلس الجالية المغربية بالخارج، يتمثل في الانتقال من علاقة يغلب عليها الطابع العاطفي والمالي إلى علاقة اقتصادية منظمة وقادرة على خلق القيمة المضافة لفائدة مختلف جهات المملكة.
كما أن الحضور المشترك لمؤسسات النقد والهيئات الدولية والقطاعات الحكومية المعنية ومجلس الجالية المغربية بالخارج يدل على مستوى النضج الذي بلغه النقاش الوطني حول هذه القضية، ويبرز أيضا ملامح حكامة جديدة للتحويلات المالية المرتبطة بالهجرة، يكون فيها المغاربة المقيمون بالخارج فاعلين أساسيين وشركاء كاملين في التنمية الاقتصادية للمملكة.








