ريم بطال, شاعرة وروائية, فرنسا.
قالت الكاتبة والشاعرة المغربية ريم بطال إن توثيق شهادات الجيل الأول من المهاجرين المغاربة كان بالنسبة إليها سباقاً مع الزمن، واصفة هذه المهمة بأنها لحظة حاسمة لالتقاط أصوات مهددة بالغياب. ويتعلق الأمر بمهاجرين خاض بعضهم تجارب الحرب والعمل الشاق في المصانع الفرنسية، قبل أن تتوارى حكاياتهم خارج دوائر السرد العام.
وفي حلقة جديدة من بودكاست “لقاء مع سهيلة الريكي”، استعرضت بطال مسار اشتغالها على الذاكرة الشخصية والجماعية، من خلال مشاركتها في كتاب “ذاكرة حياة“
Mémoires de vie, Histoires de pionniers de l’immigration marocaine en France) ) ، الذي يوثق لمسارات عدد من رواد الهجرة المغربية بفرنسا، ويقدم شهادات إنسانية تعيد إدراج هذه التجارب في النقاش الثقافي وحماية الذاكرة.
الاقتراب من ذاكرة المهاجرين داخل الفضاء العائلي
أوضحت ريم بطال أن هذا العمل التوثيقي الجماعي انطلق من خيار منهجي يقوم على لقاء المهاجرين داخل بيوتهم بدل الاكتفاء بالمؤسسات الرسمية، بهدف التقاط تفاصيل الحياة اليومية في فضائها الطبيعي، والوصول إلى شهادات أكثر قرباً وخصوصية.
وأضافت أن التجربة تجاوزت بالنسبة إليها حدود التكليف المهني، إذ ارتبطت أيضاً بسؤال شخصي حول الذاكرة العائلية، بعد فقدانها جزءاً من روايات الأجداد وتفاصيل حياتهم. لذلك بدا الإصغاء إلى الجيل الأول من المهاجرين، في نظرها، شكلاً من استعادة صلة منقطعة بالهوية والتاريخ الشخصي. كما أشارت إلى أن بعض من التقتهم رحلوا بعد فترة قصيرة من تسجيل شهاداتهم، ما منح هذا العمل بُعداً توثيقياً مضاعفاً.
اللغة الفرنسية من منظور مغربي
وفي حديثها عن الكتابة، شددت بطال على أنها لا تنخرط في تصور الكاتب المهاجر الذي يكيّف نصه باستمرار لإرضاء القارئ الغربي.
وأشارت إلى أنها تُدرج في نصوصها تعبيرات مغربية كما هي، مثل “الطون والحرور”، بحروف لاتينية ومن دون شروح مرافقة، انطلاقاً من قناعة بأن اللغة الفرنسية يمكن أن تحمل مخيالاً مغربياً واضحاً.
وتعرّف بطال نفسها بوصفها كاتبة مغربية تكتب بالفرنسية، وتتعامل مع هذه اللغة بوصفها أداة للتعبير لا بديلاً عن المرجعية الثقافية التي تنطلق منها.
الدعابة المراكشية
ربطت بطال هذا التوجه أيضاً بتأثير مدينة مراكش في كتاباتها، سواء من حيث الإيقاع أو حس الدعابة الذي يخفف من حدة الموضوعات الثقيلة. وترى أن إدخال السخرية في النص لا ينتقص من جديته، بل يمنحه قدرة أكبر على الوصول إلى القارئ وبناء مشاهد نابضة بالحياة.
الشباب في صلب التلقي والمشاريع المقبلة
عبّرت بطال عن تقديرها للتفاعل الذي تلقاه من المراهقين والشباب، معتبرة أن هذه الفئة تُقبل على النصوص بأسئلة مباشرة ومنفتحة، بعيداً عن الكثير من الأحكام الجاهزة التي قد تؤطر تلقي الأدب.
في ختام اللقاء، كشفت الكاتبة عن مشاريع أدبية جديدة ما تزال في طور التبلور، مشيرة إلى أن بعض النصوص تحتاج سنوات طويلة قبل أن ترى النور، لأن الكتابة، بحسب تعبيرها، ترتبط أيضاً بالنضج والتراكم والزمن اللازم لتشكل الفكرة.
بين التوثيق والكتابة: مشروع يستعيد الصوت الغائب
يبرز من خلال هذا المسار أن ريم بطال تجمع بين الاشتغال على الذاكرة بوصفها مادة للتوثيق، وبين الكتابة باعتبارها مجالاً لإعادة تمثيل التجربة المغربية بلغات وأساليب متعددة.
في هذا التقاطع، تحضر الهجرة لا كموضوع تاريخي فحسب، بل كجزء من سردية أوسع تتصل بالهوية واللغة والانتماء.
ومن خلال استحضارها لسير المهاجرين الأوائل وتجربتها الخاصة مع اللغة والكتابة، تقدم بطال تصوراً للأدب بوصفه مساحة لحفظ الأثر وإعادة صياغة الأسئلة المرتبطة بالماضي والحاضر.
كما يعكس حضورها في هذا البودكاست اهتماماً متواصلاً بقضايا الذاكرة الثقافية المغربية داخل الفضاءين المحلي والعابر للحدود، ويقدم صورة عن كاتبة تشتغل على التوثيق والتخييل في آن واحد، وتواصل بناء مشروع أدبي ينفتح على الذاكرة المغربية وأسئلتها المتجددة.
أنقر هنا للاستماع أو لمشاهدة باقي حلقات بودكاست لقاء مع سهيلة الريكي.









