افتتح السيد إدريس اليزمي، رئيس مجلس الجالية المغربية بالخارج، المنتدى الدولي للطلبة والخريجين المغاربة بألمانيا (Connecting Competencies)، الذي انعقد يوم السبت 25 أبريل، في مدينة دوسلدورف بألمانيا، بحضور حوالي 200 من كفاءات مغاربة العالم في ألمانيا.
وقد تمحورت المحاضرة الافتتاحية التي ألقاها رئيس المجلس حول موضوع: “الجالية المغربية في الخارج: التاريخ والتحولات”، حيث عرض فيها مسار تطور الجالية وتحولاتها، مشيرا إلى أن تاريخها يعود إلى أكثر من قرن ونصف، وأن نقاط التحول الأساسية في هذا المسار كانت خلال الحرب العالمية الأولى، وبعيد الحرب العالمية الثانية، ومضيفا في هذا الإطار أن بداية الستينيات من القرن الماضي شهدت الموجة الأولى من الهجرة المغربية إلى ألمانيا.
أما بخصوص أهم التحولات التي عرفتها الجالية خلال العقود الثلاثة الأخيرة، فقد أجملها السيد إدريس اليزمي في تزايد نسبة النساء والشباب في صفوف الجالية، وارتفاع المستوى التعليمي بين مغاربة العالم، حيث تبلغ نسبة الحاصلين منهم على شهادة جامعية أو دبلوم مهني حوالي 20 في المائة.

وفي هذا السياق، ذكر رئيس المجلس بأن هذا النمو السوسيوثقافي يأتي في سياق الصراع على الكفاءات على المستوى الدولي، ما يعني الحاجة إلى أن تكون لدينا سياسة واضحة حول هجرة الشباب، بحيث نعرفها ونطورها ونتحكم فيها بمنطق “رابح-رابح”، وليس بمنطق احتياجات الدول الكبرى للمهاجرين.
وفي هذا الإطار، دعا السيد إدريس اليزمي إلى التفكير في سياسات جديدة للحركية، يساهم في بلورتها وتنفيذها، إلى جانب المؤسسات المعنية، جمعيات المجتمع المدني والأفراد المتطوعون، فضلا عن التفكير في برامج ومشاريع تجعل من أولوياتها مصلحة الجالية المغربية وبلدها الأم.
وقد ختم السيد رئيس المجلس محاضرته بجملة من المقترحات، من بينها ضرورة إدماج مغاربة العالم في النقاش الوطني العمومي حولهم وحول القضايا التي ترتبط بمعيشهم اليومي، فضلا عن ضرورة العمل على
أن يكون المغرب شريكا نديا أمام الدول المستقبلة للكفاءات المغربية، بما في ذلك الشراكة في تدبير الرأسمال البشري.
إثر ذلك، انطلقت أشغال ورشات العمل التفاعلية التي خصصت لمناقشة موضوع “التعاون الألماني المغربي في مجالات العلوم والاقتصاد: نحو جيل جديد من الكفاءات المغربية في ألمانيا”، حيث تناولت ورشة العمل الأولى موضوع “الثقافة والهويات التعددية: الكفاءة العابرة للثقافات مفتاحاً للنجاح الاجتماعي والاقتصادي لمغاربة ألمانيا”، والتي ركزت على الجانب الناعم والحاسم من التعاون الدولي، والمتمثل في البعد الثقافي في بُعديْه المرتبطيْن بتعزيز الاندماج وترسيخ الهوية المغربية لدى الأجيال الجديدة من مغاربة ألمانيا، باعتبار أن التعامل مع الهويات التعددية في عالم معولم، لا يعدّ كفاءة اجتماعية فحسب، بل كفاءة اقتصادية بالغة الأهمية.


وقد ناقشت الورشة الخطوات العلمية لتشجيع المبادرات العلمية والثقافية والإعلامية التي تقدم نماذج إيجابية للمسارات الحياتية لمغاربة ألمانيا والهويات الألمانية‑المغربية وتُسهم في مكافحة الصور النمطية الخاطئة، كما ناقشت سؤال سبل تحقيق الاعتراف بأدوار الجالية الألمانية-المغربية في ألمانيا ودعمها بوصفها جسرًا ومحركًا للاقتصاد والعلوم، والمهارات الثقافية اللازمة لنجاح التعاون في فرق مختلطة داخل الشركات ومؤسسات البحث، والإمكانات والشروط الموضوعية لتطوير برامج تدريبية من أجل ذلك. كما تطرقت إلى أفضل الممارسات للانفتاح بين الثقافات وتحفيز مشاريع ملموسة لتعزيز الحوار بين الثقافات، بحيث يصبح الاستثمار في قدرات مغاربة ألمانيا وفي التواصل الثقافي الفعّال وفي الكفاءة بين-الثقافية عنصراً أساسياً لنجاح المشاريع العلمية والاقتصادية المشتركة بين المغرب وألمانيا، فضلا عن كيفية تفعيل أدوار المنظومات التعليمية في ألمانيا في المساهمة في جعل الأطفال والشباب من ذوي الأصول المهاجرة وغير المهاجرة يعيشون التعددية باعتبارها ثراءً ويطورون قدرتهم على العمل بين الثقافات وعلى بناء هوية تعددية مطمئنة (مغربية في المواطنة والمرجعية الثقافية والقيمية، ألمانية/أوروبية في المواطنة والممارسة اليومية)…
وشارك في هذه الورشة كل من محمد بنصالح، الأستاذ الباحث في الدراسات السياسية والثقافية، ومكلف بمهمة في مجلس الجالية المغربية بالخارج، وميشائيل كيفر، الأستاذ الباحث في قضايا الهجرة والعمل الاجتماعي والرعاية الاجتماعية للمهاجرين بجامعة أوسنابروك بألمانيا، وسلوى محمد، المستشارة في مواجهة العنصرية والتطرف اليميني بمركز المعلومات والتوثيق لمكافحة العنصرية في ولاية شمال الرايخن لاند، والأستاذة في مجال الهجرة وتمكين الأشخاص ونقد العنصرية، بجامعة بادن فورتمبيرغ في شتوتغارت، وسامي شرشيرة، المستشار ببلدية دوسلورف، ومستشار وزير الداخلية الألماني الأسبق في شؤون الإسلام والهجرة والاندماج، ومحمد عسيلة، الأستاذ الباحث في قضايا الدين والثقافة والهجرة في المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية والتطبيقية بمدينة كولونيا، وفوزية الجوهري، الباحثة في قضايا الهجرة والإعلام، ومديرة مشروع الاندماج في مؤسسة كارل أرنولد شتيفتونغ بألمانيا.
أما ورشة العمل الثانية، فقد تناولت موضوع “التعاون العلمي ونقل الخبرات بين ألمانيا والمغرب: دور الكفاءات المغربية في ألمانيا” حيث ناقشت ”خريطة طريق لنقل الكفاءات العلمية“، وتداولت في التدابير العملية لتعزيز العلاقات العلمية الألمانية المغربية وتطوير الشراكات الأكاديمية والمشاريع الجامعية الثنائية، وبناء منصات بحثية مشتركة. وقد ركزت، من أجل ذلك، على كيفية تفعيل التعاون العلمي وجعله محرّكاً للبحث العلمي والتبادل الأكاديمي والابتكار والتنمية الاجتماعية، كما ركزت أيضاً على تحليل وتطوير أشكال التبادل العلمي والجامعي الحالية والمستقبلية، مع إيلاء الاهتمام اللازم لأهمية تعزيز دور الكفاءات المغربية في ألمانيا وشبكات المعرفة الألمانية المغربية في تقوية التنسيق بين الجامعات ومراكز البحوث والدراسات في البلدين وإنجاح هذا المسار.

ولذلك، فقد كان من محاور الأساسية للورشة سبل جعل تبادل الطلاب والباحثين والدكتوراه (على سبيل المثال من خلال برامج DAAD والمشاريع الجامعية الثنائية وغيرها) أكثر فعالية، والدور الذي يضطلع به الخريجون والأكاديميون المغاربة المقيمون في ألمانيا باعتبارهم ”أصحاب الكفاءات“ وبناة الجسور، فضلا عن الشروط العملية لإنشاء مجموعات بحثية مشتركة حول قضايا مستقبلية عالمية مثل تغير المناخ وتكنولوجيات الصحة والذكاء الاصطناعي، والهياكل ومراكز الكفاءة الافتراضية اللازمة لضمان نقل المعرفة بشكل دائم بين الجامعات ومؤسسات البحث في كل من المغرب وألمانيا.
ولقد شارك في هذه الورشة كل من مصطفى عدالي، رائد الجراحة الربوتية للبروستات في ألمانيا وكبير الأطباء في مستشفى سيغن، والأستاذ بكلية الطب في جامعة أوسنابروك، وسلمى بنيس، رئيسة رابطة الأطباء المغاربة في ألمانيا، والطبيبة الأخصائية الأولى في قسم أمراض النساء والتوليد بمستشفى مارين برول في كولونيا، وستيفن كرينغ، الأستاذ الباحث في قضايا المهاجرين بجامعة دورتموند التقنية، وممتحِن للأساتذة الخريجين في ولاية وستفاليا، ومليكة أجواو، أستاذة اللغة الطبية في جامعة بوخوم، وأندريا سويتي أستاذة اللغة الألمانية للأجانب في جامعة دورتموند، ، وإلياس عزاوي، رئيس قسم نقل التكنولوجيا والابتكار بالمركز الوطني للبحث العلمي والتقني بالمغرب، ومصطفى الجاي، مستشار وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار في الحكومة المغربية.
وبخصوص ورشة العمل الثالثة فقد خصصت لموضوع “الديناميات الاقتصادية وتعزيز التعاون الألماني المغربي: أي دور لكفاءات واستثمارات مغاربة ألمانيا؟”، حيث عملت على تحديد نماذج مبتكرة للهجرة والتكوين المهني المزدوج وصياغة توصيات عملية لتقوية العمل المشترك في مجال الاقتصاد والسياسات الاقتصادية والفرص المستقبلية ودور الكفاءات في جذب الاستثمارات وبناء جسور مهنية بين ألمانيا والمغرب، بما يعزز التعاون الاقتصادي بينهما. ففي سياق التغيرات الديموغرافية في البلدين، وتأثيراتها على الاقتصاد وسوق العمل، وتزايد حاجتهما إلى القوى العاملة المتخصصة، ركزت هذه الورشة على التعاون الاقتصادي عبر تحديد القطاعات الواعدة في هذا الشأن، وتقديم مقترحات تسهم في تسليط الضوء على سبل الاستجابة لحاجة البلدين إلى تطوير استراتيجيات مبتكرة من أجل تأمين القوى العاملة المتخصصة والاستفادة بشكل أفضل من التعاون الاقتصادي بينهما ومن الكفاءات والخبرات المتاحة فيهما، مع الانتقال من سياسة استقدام أفراد لسدّ الخصاص الظّرفي في ألمانيا إلى بناء مسارات مهنية مهيكلة تبدأ بالتكوين وتستمر في التشغيل، مع إمكان العودة أو الاستثمار في المغرب، والرهان على الاستثمار في الكفاءات، بدل الاقتصار على اليد العاملة، وربط برامج الهجرة المهنية باتفاقيات واضحة لنقل المعارف والخبرات والمهارات وخلق فرص عمل في المغرب عبر فروع أو شراكات أو استثمارات للشركات الألمانية.
وكان من أهم الأسئلة التي نوقشت في الورشة كيفية تصميم نماذج “هجرة عادلة” (هجرة دورية مؤقتة، نقل الكفاءات وتبادل المعارف والخبرات) تساهم في التخفيف من نقص الكفاءات في ألمانيا وتدعم في الوقت نفسه التنمية الاقتصادية في المغرب، بما يوفر إمكانات أكبر لخلق قيمة مضافة مشتركة وتطوير الأطر المتخصصة في قطاعات حيوية مثل الطاقات المتجددة، وصناعة السيارات، والرعاية الصحية، والصناعات الدوائية والكيميائية، والهندسة الميكانيكية، واللوجستيك، والتكنولوجيا والهندسة الرقمية، فضلاً عن إمكانات التوفيق بين احتياجات الاقتصاد الألماني ومؤهلات وتطلعات الكفاءات والمهنيين المغاربة (من التكوين المهني المزدوج إلى الأكاديميين المتخصصين)، والسبل الأمثل لاستلهام نموذج التكوين المهني المزدوج الألماني وتكييفه مع السياق المغربي، بما في ذلك مساهمة الاستثمارات والشركات الألمانية في المغرب في تكوين الكفاءات المحلية والاحتفاظ بها، إضافة إلى الأدوار التي ينبغي أن تضطلع بها الكفاءات المغربية في ألمانيا من أجل الإسهام الفعّال في نجاح هذا المسار.
وقد شارك في هذه الورشة كل من شكيب روا، مدير أول لابتكار المنتجات العالمية في شركة “أديداس”، ومبارك العكاوي، مدير الجودة في المجموعة الصناعية الألمانية العالمية “كوستال” المتخصصة في تطوير وتصنيع الأنظمة الإلكترونية والميكاترونية للسيارات، وأحمد كروم، مدير قسم هيئة الطرق والبنية التحتية في ولاية شمال الراين وستفاليا،
وعلي لكتيف، مدير أول للتسويق الرقمي لدى شركة “ليدل”، ومحمد الكرز، رئيس مجلي إدارة شبكة الكفاءات الألمانية المغربية، وآية بن بشير، مهندسة تصميم لدى شركة “هيستيبيرغ” للهندسة الصناعية، وخدير إدريسي، رئيس مركز الأعمال بمؤسسة تمويلكم في المغرب وعلي محرز، مسؤول التنسيق مع مغاربة العالم في الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات.
وقد اختتمت أعمال المنتدى بإصدار توصيات وتقديم مقترحات عملية في المجالات البحثية والمهنية والثقافية، من أجل الارتقاء بالعلاقات الألمانية المغربية إلى مستوى أكثر استدامة وتوجهاً نحو المستقبل.
جدير بالذكر أن المنتدى الدولي للطلبة والخريجين المغاربة بألمانيا ”ConnectingCompetencies“ نظمته جمعية الطلبة والخريجين المغاربة بألمانيا، بتعاون مع مجلس الجالية المغربية بالخارج، ووزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، قطاع المغاربة المقيمين بالخارج









