revue de presse ar

الميري: الاتنماء المتعدد والعابر للحدود هي أهم خاصية تميز الجالية المغربية المعاصرة في فرنسا

أستاذ جامعي ومنتخب محلي وفاعل جمعوي في فرنسا، هاجر وسنه لم تتجاوز العاشرة ليرسم مسارا أكاديميا ومهنيا في الهجرة جعله من بين أبرز الشخصيات المنحدرة من الهجرة المغربية في منطقة باكا جنوب فرنسا.

في هذا الحوار مع بوابة مجلس الجالية المغربية بالخارج يتحدث أستاذ السوسيولوجيا بجامعة إكس مارسيليا مصطفى الميري عن أهم مميزات الهجرة المغربية في منطقة باكا بالجنوب الفرنسي، ويقدم نظرته عن صعود اليمين المتطرف وعن تحديات الاندماج والرهانات المطروحة على مغاربة فرنسا.

وصلتم إلى فرنسا وعمركم عشر سنوات، وأنتم اليوم واحدا من بين العديد من نماذج المهاجرين المغاربة  الناجحين مهنيا في فرنسا والذين استطاعوا الاندماج بسهولة في المجتمع. ماهي أهم العوامل التي تسهل عملية اندماج المهاجر المغربي في فرنسا؟ 

أعتقد أنه من الصعب الإجابة على هذا السؤال من دون السقوط في الذاتية. يبدو أن هناك ثلاثة عوامل تهيكل مسار حياة الفرد: المدرسة التي هي أداة محورية في عملية التنشئة؛ والتأطير الأسري الذي يلعب دورا مهما جدا، بالإضافة إلى الدينامية الفردية لتجنب الانسياق وراء الانغلاق على الذات والتعرض للاتهامات الهوياتية التي تدفع إليها بعض الخطابات السياسية والمجتمعية. هذه النقطة في غاية الأهمية لأنه إذا لم ترفض بشكل ذاتي الفكرة القائلة بأن تاريخ الفرد مكتوب سلفا فإنه من الصعب التحرك من أجل كتاب التاريخ الشخصي.

كل واحد يجب أن يكون مقتنعا على أن الحياة تبنى وأحيانا تبنى في إطار الندية عندما يتعلق الأمر بالمهاجر، فعن طريق الإرادة الفردية  نستطيع مواجهة الأفكار الجاهزة مثل كون بعض المهن أو بعض الحرف أو حتى بعض الأمكنة ليست متاحة للجميع وبأننا غير قادرين على التباري من أجلها. إن مسار الحياة مرتبط إذن بالفرص المادية والفرص التي يتيحها المجتمع، وكذا بالصعوبات التي تعيق الوصول إليها. وأهم شيء هو قدرتنا على الصمود بشكل فردي أو جماعي لبلوغ إلى ما نصبو إليه عن طريق العمل والحسم وكل ذلك بروح منفتحة وبحب للاطلاع والاكتشاف والترحيب بالآخر.

باعتباركم أستاذا جامعيا تدرسون السوسيولوجيا، فقد تمحورت أبحاثكم في السنوات الأخيرة على مواضيع الهجرة خصوصا الهجرة بين المغرب وأوروبا. ماهي في نظركم أهم التحولات التي عرفتها الهجرة المغربية في فرنسا خلال العشريات الأخيرة ؟

هناك تحولات كبيرة من الصعب تلخيصها في بعض السطور؛ لكن يمكن الإشارة إلى التحولات الأكثر أهمية. في نظري، ما يميز المهاجرين المغاربة في الفترة الحالية هي خاصية الانتماء المتعدد العابر للحدود. وما أريد الوقوف عليه من خلال هذا المفهوم يمكن استنتاجه بمقارنة  المهاجر المغربي في سنوات الستينات والذي كان أقل تأهيلا من الناحية العلمية ويحمل هوية ثقافية تنتمي إلى بلده الأصلي؛ وبعد ذلك أعقبه نوع آخر من شخصية المهاجر يحمل هوية متعددة قوامها التمفصل بين ثقافة الأصل وثقافة المجتمع الذي يقيم به. وهو ما جعل حتى النقاش بين ثقافة الأصل وثقافة بلد الإقامة الذي كان يطرح في السابق يصبح أمرا متجاوزا. فمغاربة فرنسا مثلا جمعوا بين العناصر الثقافية لبلدهم الأصلي ونظيرتها في بلد الإقامة وترجموا ذلك من خلال التعابير الجديدة للعولمة. وهو ما يجعل المهاجرين المغاربة المعاصرين أشخاصا أكثر قابلية للتأقلم مع متطلبات العولمة الثقافية مقارنة مع أسلافهم. وهذه القدرة على التأقلم من دون القطع مع انتماءاتهم الأصلية أصبحت مكتسبات أساسية في السياق العالمي الراهن. إلا أن هذا الثراء الإنساني يبقى غير بارز ولا يتم التركيز عليه من طرف بلدان الإقامة التي تعير اهتماما أكبر للحدود الهوياتية بين أفراد المجتمع.

لكم تجربة في العمل السياسي في فرنسا وسبق أن كنتم منتخبا في مدينة غاردان في الجنوب الفرنسي لسنوات عديدة. كيف لمكن للمشاركة السياسية في دول الإقامة والانخراط في الحياة السياسية هناك عاملا مساعدا للدفاع عن المصالح وجعل القضايا المرتبطة بالهجرة في صلب الأجندة السياسية؟

أعتقد ان فعالية هذه المشاركة لا يمكن أن تتحقق إلا إذا تم رفض الخضوع لـ« ضريبة المجموعة » والاقتصار على تمثيل « الهوامش » فقط. في رأيي يجب أن نرفض مثلا في إطار المهام التمثيلية التكلف بمهمة الجانب الاجتماعي  أو بمهمة الشباب أو « الأحياء الصعبة » أو سياسة المدينة، لأن ذلك يؤكد الفكرة القائلة بأن مشاركتنا السياسية لا يمكن التفاوض من أجلها إلا في حدود التدخل فيما له علاقة بالجاليات أو المجموعات المنحدرة من الهجرة، وهي نفسها الصورة النمطية التي يحملها الفاعلون السياسيون سواء المنتمين لليمين أو اليسار.

لقد شغلت لمدة ثلاث ولايات منصب نائب عمدة المدينة مكلف بالشؤون الثقافية؛ وكان الرهان الأساسي بالنسبة إلي هو جعل عملي يكون عابرا للمجموعات ولا يقتصر فقط على فئة المهاجرين، والعمل على أساس أن الثقافة في حد ذاتها حتى الأكثر تفردا أو الأكثر فرجوية هي نتاج لتلاقح مختلف الأفكار التي نتنشر والتي تتماهى مع بعضها البعض. لذلك فالاهتمام بالثقافة وتشجيع التنوع لا ينخرط بالضرورة في مطالب الاختلاف ولكنه طريق لإعادة تأهيل مشاركة الجاليات وإسهاماتها في الثقافة الجامعة. إن الرهان هو المساعدة على الفهم بأن التنوع ليس تعداد الاختلافات وخصوصيات كل مجموعة على حدى ولكن هو إسهام الجميع في بناء مصير مشترك.

بالموازاة مع انشغالاتكم المهنية والجامعية، لديكم اهتمام خاص بالعمل الجمعوي، ما هي مجالات اشتغالكم الجمعوية وما هي الأنشطة التي تركزون عليها؟

من المهم المشاركة في الحياة المجتمعية بطريقة أو بأخرى، فالجمعيات بالنسبة لي رافعة أساسية نجد فيها المجتمع المدني بكل أماله وإبداعاته ومكوناته ونقاشاته المتقاطعة؛ نتعرف من خلالها على التوترات ولكن أيضا على الحماسة التي تحرك المجتمع. لذلك لا أتردد أبدا في المشاركة في مختلف الأنشطة التي تنظمها مكونات المجتع المدني وبعض النشطاء. أعتقد أنه من واجبنا تشجيع المبادرات التي تسعى إلى التجميع بدل التفرقة، وإلى البناء بدل الهدم. ففعل البناء يتطلب تجميع الأفكار والكفاءات بينما الهدم لا يحتاج سوى للعواطف وغالبا ما تغلب عليها الكراهية والرفض.

عندما دعاني إدريس المشيوخي لمساعدته في تنظيم الحدث المخصص لثقافة الحوار وحوار الثقافات، وجدت أنه من مسؤليتي عدم الرفض. هؤلاء الأشخاص يزرعون حدائق الأمل. يجب الوقوف إلا جانبهم من أجل إنباث ورعاية الأمل والدفع بمجهوداتهم إلى الأمام.

ما هي الخصائص التي تميز الهجرة المغربية في جهة باكا جنوب فرنسا؟ وما هي الرهانات والتحديات التي تواجه المغاربة المقيمين في هذه الجهة؟

 إنها جالية مكونة من العمال خصوصا في مجال الفلاحة، والتجار والمقاولين. والتحدي الأساسي الذي ترفعه هذه الجالية هو مساعدة الأجيال الصاعدة على إمكانية الحصول على فرصة اختيار المسار المهني ومجال العمل. لذلك عليها الاستثمار في المدرسة وإتاحة الفرصة للشباب من أجل التفتح وعدم الانغلاق على النفس. أما التحدي الثاني لهذه الجالية فهو إيصال الممارسات الثقافية والدينية إلى الأجيال الشابة لمساعدتها على البحث عن المستقبل واختراق جميع المجالات الممكنة، من دون خضوع للخوف أو للخطابات الهوياتية التي تنتشر من هنا وهناك. فليس على هؤلاء الشباب الإحساس بالمسؤولية تجاه الجماعات التي تدعوا إلى العنف، ولكن من واجب هذه الجالية أن تبين لأطفالها الخطر الذي يمثله التعصب والذي يهدد بالرجوع إلى الخلف بدل التقدم نحو المستقبل.

نعيش في ظل الارتفاع الملحوظ لتيارات اليمين المتطرف والشعبوية في أوروبا وفي فرنسا تحديدا، وانتشار مستمر للخطاب القومي ضد الأجانب، كيف يمكن في نظركم للجالية المغربية في فرنسا أن تقف أمام هذا الخطاب وبأية وسائل؟

علينا في البداية أن نفهم أن الشعبويين هم قبل كل شيئ دليل ملموس على الأزمة التي تمر منها المجتمعات الأوروبية، وما الهجرة إلا عذر في هذا السياق. في الحقيقة فإن أصل الأزمة يكمن في النموذج المجتمعي والاقتصادي والسياسي على وجه التحديد. إنها أزمة الديمقراطية التمثيلية التي بدأت تصل إلى حدودها النهائية في ظل فقدان الشرعية الذي يطارد الفاعلين السياسين؛ وهي أيضا أزمة المؤسسات التي لم تعرف كيف ترافق العولمة والتغيرات الجيوسياسية للعالم. 

فالدول الصناعية التقليدية لم تستوعب تماما التغيرات التي طرأت على العالم وهي مستمرة في تبني خطاب القوة العظمى الذي يتناقض مع قدرتها على إعادة توزيع الحماية الاجتماعية وتوزيع العمل. ولا يبقى بالنسبة لبعض الأحزاب السياسية في هذا الإطار إلا العمل على إيهام الناس بأن المشاكل الراهنة هي مرتبطة فقط بسوء تدبير القوة العظمى وبمشاركة الثروات مع المهاجرين. ولا يرغبون في الاقتناع بأن الإشكاليات الحالية ليست ظرفية ولكنها بنيوية وتوحي بوجود تحول في العالم يأخذ بعين الاعتبار الدول الأخرى أيضا. بقدر ما يفترض التفكير في تجاوز هذه الصعوبات من خلال تصور جديد للتعاون مع الدول الأخرى في إطار من المساواة، فإنه من السهل بل من السطحية التفكير بأن استعادة القوة يتم عبر « دعاء » سياسي. إن هذا الوهم الذي يحمله الشعبويون، لا بد له من خلق مسار منحرف لتشتيت الرؤية على مواضيع آخرى بهدف للتضليل، لذلك فالتركيز على الأجنبي والمهاجر طريقة ناجحة في عملية التضليل هاته. 

لذلك أدعو للمهاجرين أن يكونوا واضحين لكي لا يقعوا في الفخ. لأن  أول ضحايا هؤلاء المضللين هم من يؤمنون  بسحرهم الكاذب.

الصحافة والهجرة

مختارات

Google+ Google+