بحسب كتاب جديد يحلل بيانات أكثر من 75 ألف شخص، فإن المخاوف المالية اليومية والإحباط من العمل ذي الجودة المنخفضة – وليس الهجرة وحدها – عوامل ساهمت في انفجار السياسات الشعبوية في جميع أنحاء أوروبا منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
وخلصت الدراسة التي أجرتها جامعة كامبريدج، إلى أن الشعبوية في أوروبا تتغذى على انعدام الأمن الاقتصادي والوظيفي، لتتخذ من العداوة تجاه المهاجرين أرضا خصبة لأنها تمثل وسيلة سهلة لتوجيه إحباطات الناس، وذلك من خلال تحليل بيانات بين عامي 2015 و2018، تتعلق بأكثر من 75000 شخص في عشر دول، هي: النمسا، فرنسا، ألمانيا، المجر، إيطاليا، هولندا، بولندا، رومانيا، إسبانيا، والسويد.
حيثيات التصويت لأحزاب اليمين المتطرف
كشف فريق لورينزا أنتونوتشي، عالمة الاجتماع الإيطالية في جامعة كامبريدج، الذي أجرى الدراسة أن المخاوف بشأن الوضع الاقتصادي والاجتماعي قد غذت الموجة الشعبوية التي اجتاحت أوروبا بين عامي 2014 و2018، مع أحداث مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) ودخول حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) إلى البرلمان الألماني (البوندستاغ). ونشرت نتائج البحث في كتاب عنون بـ: “سياسات انعدام الأمن”.
على سبيل المثال، في عام 2018، كان الأشخاص الذين أبلغوا عن معدلات قلق مالي أعلى من المتوسط أكثر عرضة بنسبة 17-20% للتصويت للشعبويين في ألمانيا وفرنسا والسويد. وقد أدت هذه المخاوف نفسها إلى زيادة بنسبة 4-10% في الأصوات للأحزاب الشعبوية في إيطاليا وإسبانيا وهولندا.
الصعوبات الاقتصادية عامل حاسم
مع ذلك، ارتبطت حالة من خيبة الأمل العامة من جودة العمل في السنوات الأخيرة بالتصويت للشعبويين في معظم الدول الأوروبية الكبرى، بزيادة تصل إلى 12%. وتعد الفروقات بين الجنسين عاملا مهما أيضا: فالرجال الذين يشغلون وظائف تتطلب ضغطا كبيرا، مع جداول عمل سريعة ومواعيد نهائية ضيقة، هم أكثر عرضة بنسبة 14-18% للتصويت لأحزاب اليمين المتطرف. أما أولئك الذين يرون أنفسهم يتقاضون أجوراً زهيدة أو بلا آفاق وظيفية، فهم أكثر عرضة للتصويت لليمين المتطرف، حيث ترتفع النسبة من 12% إلى ما يقارب 20%. في المقابل، بالنسبة للنساء، تعد الصعوبات الاقتصادية عاملا حاسما أكثر من ظروف العمل: فقد زادت احتمالية التصويت للأحزاب الشعبوية من 18% إلى 25% لدى النساء اللواتي شعرن بصعوبة في تدبير أمورهن بدخلهن.
مجتمعات أكثر تنافسية اقتصاديا وأقل أمانا اجتماعيا
تخلت الأحزاب الأوروبية الرئيسية عن الكثير من القضايا السياسية التقليدية المتعلقة بالأمن والأسرة وشبكات الأمان الاجتماعي، وركزت بدلا من ذلك على تحسين القدرة التنافسية من خلال إلغاء القيود، ومرونة التوظيف والفصل، وتوفير مزايا أكثر استهدافا.
وتوضح أنتونوتشي قائلة: “هذا جعل مجتمعاتنا أكثر تنافسية اقتصاديا، ولكن أقل أمانا اجتماعيا. وقد استغلت الأحزاب الشعبوية هذا الفراغ، مقدمة حلولا مبسطة لانعدام الأمن. وتجد العداوة تجاه المهاجرين أرضا خصبة لأن المخاوف الاقتصادية والقلق بشأن المكانة الاجتماعية منتشرة على نطاق واسع، وتمثل المشاعر المعادية للهجرة وسيلة سهلة لتوجيه إحباطات الناس من حياتهم.”
جدير بالذكر أن البحث جمع بين دراستين استقصائيتين أوروبيتين رئيسيتين: المسح الاجتماعي الأوروبي (ESS) والمسح الأوروبي لظروف العمل (EWCS). وقد استخدمت خوارزميات المطابقة الإحصائية لربط كل فرد في المسح الاجتماعي الأوروبي بعامل مطابق له تقريبا في المسح الأوروبي لظروف العمل، وذلك بالاعتماد على خصائص مشتركة كالعمر والبلد والمهنة ونوع العقد. ثم استخدمت أساليب إحصائية متنوعة للتحقق من صحة مجموعة البيانات الجديدة وضمان الحفاظ على التباينات.







